ما بعد عباس.. تصحيح مسار أم رابطة قرى كبرى

لعل النظام السياسي الفلسطيني بالشكل المؤسسي التقليدي لم يتبلور إلا في محطتين بارزتين، مرحلة إنشاء منظمة التحرير كإطار تمثيلي جامع للفلسطينيين، ومرحلة إنشاء السلطة الفلسطينية في إثر اتفاق أوسلو؛ بغض النظر عن مستوى تمثيلها للكل الفلسطيني، إلا أن أهم ما يمكن أن يقال هنا أن الإرادة الإقليمية والدولية كانت هي حجر الزاوية والأساس في كيانية أو هوية هذين الكيانين التمثيليين.

فمنظمة التحرير لم تحظَ بالصفة التمثيلية إلا بعد اعتراف النظام الرسمي العربي لتصبح شيئًا فشيئًا جزءًا منه، وكذلك السلطة فهي نتاج لإرادة المجتمع الدولي والنظام الإقليمي والعربي بما فيه المنظمة، وبالنظر للأشخاص أو الهيئات التي مثلت رأس هرم التمثيل في المنظمة والسلطة، فقد كانت تخضع في كل مرة للإرادة الخارجية عربيًّا وغربيًّا على الأقل حسب رغبة الولايات المتحدة بشكل أساسي ثم الاتحاد الأوروبي كممول أساسي للسلطة.

هذه الإرادة الخارجية ومدى تأثيرها يمكن إدراكها من خلال رصد محطات أساسية لعملية تعيين عدد من قيادات المنظمة ثم السلطة دون أي حاجة إلى التفصيل، حيث يكفي أن تعرف كيف تم إجبار القائد الوطني الكبير أحمد الشقيري على الاستقالة من قيادة منظمة التحرير، والذي قدم استقالته للشعب الفلسطيني وليس لأي جهة أخرى، لإدراكه بأن الشعب هو من منحه سلطة قيادة عملية التحرر الوطني، لذلك يقدمها للجهات التي تحاول الالتفاف على إرادة الشعب الفلسطيني وتعيين شخصيات على المقاس.

أما السلطة فلم تكن عملية التعيين ونقل الصلاحيات أحسن حالًا، فمنذ تعميد السلطة عام 1998 بحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون عبر تدجين الميثاق وشطب الكفاح المسلح، إلى أن تم فرض سلام فياض وزيرًا للمالية من 2002 حتى 2005، ثم تغيير النظام بفرض محمود عباس كأول رئيس وزراء أبريل/ نيسان 2004، وصولاً لإجراء الانتخابات الرئاسية ثم التشريعية 2005 – 2006، كل ذلك كان يتم وفق إرادة دولية وتوازنات عربية دون أي إرادة فلسطينية، سوى رغبة من بعض المتنفذين في فتح ممن تخدم هذه التغيرات مصالحهم.

المرحلة الأخطر في مراحل تشكيل وتعيين قيادة الشعب والقرار الفلسطيني، هي ما بعد أحداث حزيران، حيث تفرُّد رئيس السلطة عباس بالقرار الفلسطيني حتى تحول التعيين واتخاذ القرار من كونه شأن فتحاوي خاص وباقي الفلسطينيين قاصرين حتى من مجرد إبداء الرأي، إلى شأن يخص عباس وثلاثة إلى خمسة أشخاص محيطين به، ولعل آخر مظاهر هذا التفرُّد العباسي تمثل في جلسة المجلس الوطني الأخيرة وتعيين روحي فتوح رئيسًا للمجلس وحسين الشيخ أمينًا للسر.

لعله ليس الخطير هو استفراد عباس بكل الرئاسات وهو ما يطرح التساؤل بأن الرئيس القادم إن قدم هل سيكون رئيسًا للسلطة؟ وماذا عن بقية الرئاسات التي يستأثر بها عباس، لكن الخطير حقيقةً هو أن رئيس السلطة عمل على تفكيك الحالة الفلسطينية ورسم المشهد السياسي من خلال تعطيل وتفريغ وتفكيك المؤسسة التشريعية والقضائية والسياسية.

التساؤل الكبير المطروح هو أن النظام السياسي ما بعد عباس هل سيكون عبارة عن حكومة برأس واحد متوافق عليه أو على الأقل غير مختلف عليه تعيد تصحيح الحالة الفلسطينية عبر توحيد مؤسسات السلطة في الضفة وغزة، ثم التحضير لانتخابات عامة بما يضمن تشكيلًا حقيقيًّا للتمثيل الفلسطيني وتجديد للشرعيات، أو أن الأمر لن يتجاوز مفهوم روابط القرى بصيغة متجددة اسمها رابطة القرى الكبرى.