التدهور الاقتصادي نتاج التدهور السياسي والأمني

منذ حملت بها أمها في أوسلو 1993، وولدت في مايو 1994، وحتى صار عمرها 29 سنة، والسلطة الفلسطينية تتنفس صناعياً على سرير العناية المركزة، تحت الوصاية الدولية، التي سمحت للسلطة الفلسطينية بأن تتمطى على سرير المصالح الشخصية، وتمد يدها تتوسل التمويل من العدو الإسرائيلي تارة، ومن أصحاب المصالح الدولية تارة أخرى، بحيث لا تتطور قدرات هذه السلطة الفلسطينية بعيداً عن قيود اتفاقية أوسلو، ولا تتخلص من اتفاقية باريس الاقتصادية.

ستظل السلطة الفلسطينية تلهث خلف رواتب موظفيها، وتلهث خلف المساعدات لسد النقص في الميزانية، ولتسديد مليارات الدولارات المتراكمة للبنوك المحلية، وتلهث أمام أبواب المالية الإسرائيلية طلباً للمقاصة، دون أن ترتقي إلى مستوى الاكتفاء الذاتي، ومهما بدلت وغيرت قيادة السلطة من وزراء المالية، فقضية الإفلاس المالي للسلطة تقوم على ركيزتين من الإفلاس:

أولاً: الإفلاس السياسي، فالسلطة الفلسطينية انتقلت من مرحلة المطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني، وتحرير الضفة الغربية والقدس، وقيام الدولة الفلسطينية مع نهاية المرحلة الانتقالية من اتفاقية أوسلو 1999، ووصلت إلى مرحلة التوسل لعقد لقاء مع أي مسؤول إسرائيلي، والتوسل لفتح مكاتب منظمة التحرير في واشنطن، والتوسل لإعادة افتتاح القنصلية الأمريكية في القدس، بل والتوسل لما هو أقل من ذلك، ووصلت إلى حد المطالبة برفع حاجز هنا، وزيادة تصاريح العمل، وبطاقات لمِّ الشمل، بل التوسل لوجود موظفين فلسطينيين على المعابر الواصلة مع الأردن، كما كانت الحال عليه قبل عشرين سنة، أو المحافظة على وضع ستاتيكو في القدس.

ثانياً: الإفلاس الأمني، فقد وصل الانحطاط بالسلطة الفلسطينية إلى الحد الذي دعا أهالي المعتقلين أمنياً لدى السلطة الفلسطينية إلى تنظيم وقفة احتجاج على دوار المنارة يوم السبت 19/6، وهذه الدعوة تعكس حجم التعاون الأمني القائم بين الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية وأجهزة المخابرات الإسرائيلية، وقد تحدث والد أحد شهداء جنين الثلاثة قبل يومين عن ولده المطلوب للأجهزة الأمنية الفلسطينية، وعن المطاردين من الاحتلال، وكيف وصلت ملفاتهم كاملة إلى أجهزة المخابرات الإسرائيلية.

السلطة الفلسطينية التي انهارت سياسياً، ولم تعد قادرة على تحقيق أدنى تطلعات الشعب الفلسطيني، وأمست تتعاون أمنياً مع العدو الإسرائيلي بشكل فاق ما قامت به كتائب السلام الفلسطينية التي شكلتها العصابات الصهيونية، والاستعمار البريطاني لذبح ثورة 1936، هذه السلطة لم تعد ضرورة للشعب الفلسطيني، بل صارت جزءاً من مصالح الاحتلال الإسرائيلي، وصارت متمماً لعملية الاستيطان وتهويد المقدسات، وباتت تمارس دوراً منحطاً عجزت عن القيام به روابط القرى التي شكلها الاحتلال قبل عشرات السنين.

مسألة التخلص من السلطة الفلسطينية بأبعادها السياسية والأمنية هي الطريق الأمثل للتخلص من الضائقة المالية التي ضربت عصب الاقتصاد للشعب الفلسطيني، ولا حلول وسط في مثل هذه الحالة، ولا توافق هنا وهناك، بل تجب تصفية هذه السلطة التي جلبت العار والدمار، وحملت على ظهر الشعب وزر الاحتلال، الذي صار أرخص احتلال على وجه الأرض، كما اعترف بذلك قادة السلطة.

التخلص من السلطة الفلسطينية يعني تحميل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياة الشعب الفلسطيني، ليعيش تحت الاحتلال مباشرة، وهو يطرز بدمائه رداء مرحلة جديدة من التحرر والاستقلال، ثقة بقدراته، وبسواعد الرجال.