على رسلكم فما زلنا على الثغر لم نغادر

انقشع غبار مسيرة الأعلام، ومرت المسيرة المقيتة من باب العمود إلى قلب القدس العتيقة، وشاهد العالم سوائب المستوطنين ينثرون أوساخ حقدهم وغيظهم وكرههم الكريه بين شواهد التاريخ من أزقة البلدة القديمة، وانتهت هذه المسيرة التي تشبه إلى حد كبير ضبابًا قاتمًا كريه الرائحة والمنظر غطى المدينة المقدسة باعتداء سوائب المستوطنين على بعض البيوت العربية في البلدة القديمة، وهم يؤدون رقصاتهم الشيطانية في حالة من الهياج الوحشي الذي يخفي نفسًا مشوهة مظلمة تكره كل ما عداها من بني البشر، لا شك أن هذه المسيرة أراد لها منظموها أن تكون على شاكلة مواكب النصر الهلترية التي كان يحبها أدولف هتلر حينما كان يدخل المدن مزهواً بنصر مكلل بالدماء والأشلاء دون أن يدور بخلده ولو للحظة أن مأساة غيابه التام عن المشهد ليست بعيدة.

ورغم الادعاء الصهيوني المستمر بأن اليهودية ضحية النازية إلا أن الممارسة تتطابق إلى حد بعيد بين كل منهما في مشهد تقمص الضحية لشخصية الجلاد وهو مرض نفسي يعتري الضحية أحياناً.

على أي حال لم يكن غريباً أن يُقدم نفتالي بينيت الضعيف صاحب الائتلاف المتداعي على القيام بهذه المسيرة مفضلاً أن يحتمل نتائجها التي قد تؤدي إلى تصعيد على أن ينهار ائتلافه الحكومي الذي يرتكز على قوة المستوطنين، وقد أصبح من البطولة اليوم أن يؤخذ قرار بالمسيرة في ظل حنق المقاومة وتوعدها بعدما كانت البطولة في عرف نفتالي شرب الدم الفلسطيني من الجسد المدني الأعزل، تلك المعادلة التي داستها المقاومة وجعلت من هذه اللعبة ناراً تلظى يصلاها كل من حاول مس الدم أو الجسد أو المقدس الفلسطيني بسوء، فأحجم الجبناء وفضلوا الخيار الأسهل برفع أعلامهم التي يشهد المكان والزمان بغربتها وزيفها في المسيرة.

لم يأت هذا التحول عبثا، وإنما صيغت هذه المعادلة بالعرق والدماء والدموع والإصرار، ولقد حاول العدو مرة تلو المرة إسقاط هذه المعادلة وتثبيت معادلة اليد الطولى التي كان يفاخر بها، ولكن عزيمة الرجال وقوة بأسهم والصبر على أذى المحتل جعله يرجع البصر كرَّةً أخرى لينقلب إليه بصره خاسئاً وهو حسير مسلماً بقواعد الاشتباك التي فرضتها المقاومة خوفاً من رجوم الشياطين التي تزينت بها سماء الوطن، ولكن مثلما هي دائماً عادة المنزوين في الزوايا المظلمة الذين ترقب عيونهم الحدث وتتمنى قلوبهم الفشل فتراهم يفرحون لحزن شعبنا ويحزنون لفرحه ويخفون ما لا يبدون  فيُكْرَهُون على التساوق أحياناً مع فيض المشاعر الوطنية الشعبية تجاه المقاومة، فتخط أيديهم بعضًا من كلمات جافة سالت بها أقلامهم دون أن تنبض قلوبهم، ثم لا يلبثون إلا أن تطغى ضغائن قلوبهم على جبر أقلامهم فتفيض كلماتهم نفاقاً وتشفياً وحقداً نازفاً من نفوس مريضة.

ولكن هيهات أن يوهن هؤلاء صدق مشاعر شعبنا تجاه من صان كرامتهم وحقق أمنهم ومنح نفوسهم السكينة في كل مرة ضربت سواعد الرجال بقوة العدو في مكان عزته وفخره.

لا بأس على المقاومة اليوم وهي تأخذ قراراتها وفقاً لما يقدره رجالها وقادتها سادة الميدان وحراس الوطن، ولا تثريب على النفوس التي تتوق لضرب العدو كلما عربد وتكبر، فهذه طبيعة النفوس العزيزة والأرواح الأبية التي لا تقبل الضميم.

ولا عزاء لمن اتخذ من شيطان حقده إلهًا له يزفر بغضه وغله تجاه الأعز والأكرم من أبناء شعبنا.

والخير كل الخير فيما هو قادم، فالحرب لم تنتهِ ولم يغادر الرجال الثغور وما زالت قبضاتهم على السلاح مشدودة، وما زالت عيونهم ترنو نحو القدس، وما زالت قلوبهم معلقة بالأقصى.

صحيح أن الصبر على النصر أشق من الصبر على الهزيمة كما يقول سيد قطب.

ولا شك أن مقاومة إغراء الرد على صلف العدو وكبت الشوق إلى لقائه في الميدان هي مهمة شاقة، ولكنها حرب التحرير التي لا تُدار بالعاطفة بل بالحنكة والخبرة والدراسة المتأنية والقرارات الحكيمة.