صمود شارون والمنظمات الفلسطينية

في عام 2003 ألقى رئيس وزراء الاحتلال ارئيل شارون خطابًا يحمل في طياته بشرى اقتراب نهاية الاحتلال، حيث طغت لغة الضعف على لغة العنجهية في آخر خطاب رسمي لآخر ملوك (إسرائيل)، فهي المرة الأولى التي يتحدث فيها رئيس وزراء عن ضرورة الصمود والثبات في وجه المنظمات الفلسطينية، والمرة الأولى التي يعترف فيها العدو أن المنظمات الفلسطينية زعزعت وحدة الشعب داخل الكيان، وفي اجتماع آخر مع قادة الكيان قال لهم ارئيل شارون: "لا يمكن للاحتلال أن يستمر، لا يمكننا احتلال جنين ونابلس وبيت لحم ورام الله إلى الأبد، هذا غير ممكن".

بعد 15 عامًا من ذلك الخطاب انقلبت كل الموازين، حيث أصبحت غزة حرة وإن كانت محاصرة وقد اقترب موعد خلاصها منه، قوة المقاومة الآن لا تقارن نهائيًّا بقوتها آنذاك، الوحدة التي حرص شارون على  تجسيدها داخل الكيان تبعثرت وصفوفهم تشرذمت، فشلهم المتكرر في الانتخابات ووصول أضعف حزب إسرائيلي إلى سدة الحكم دليل واضح على الضعف والفشل، توازن الردع والرعب الذي فرضته كتائب عز الدين القسام والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة لم يكن يخطر على بال شارون ولا على بال أي مسؤول في العالم من البيت الأبيض إلى الكرملين إلى قصور الدمى المتحركة في بعض الدول العربية، فضلًا عن الكراهية المتزايدة للمواطنين الفلسطينيين داخل الكيان للاحتلال وما نتج عن ذلك من استهدافات فردية وجماعية للعدو الإسرائيلي داخل المناطق المحتلة عام 1948، ولتلك الأسباب وغيرها لم يعد حديث الإسرائيليين وقادتهم عن اقتراب نهاية احتلالهم وكيانهم أمرًا مستغربًا. 

الاحتلال وصل إلى حالة غير مسبوقة من الضعف والعجز رغم وجود فئة ضئيلة تكابر وتدعي ما يخالف الواقع وهم الفئة الأكثر تشددا في المجتمع الاسرائيلي، بينما الفلسطينيون يشعرون بأنهم أقوياء وأن خلاصهم من الاحتلال قد اقترب رغم استمرار المعاناة والحصار وجرائم الاحتلال، ولكن هناك فئة ضئيلة ما زالت تؤمن بأن الاحتلال لا يمكن أن يزول وأن (إسرائيل) قادرة على مسح غزة عن بكرة أبيها خلال ساعات إن هي أرادت ذلك، وأنه طالما لم ننجح في التخلص من الانقسام فكيف سننجح في التخلص من الاحتلال، وهذا منطق يتبناه غير الأسوياء؛ منهم من يتبناه لضيق أفقهم وانهزامهم الداخلي ومنهم بسبب انتفاعهم من الاحتلال وخشيتهم من زواله.

لو افترضنا جدلًا أن (إسرائيل) قادرة على مسح غزة بشكل نظري فهي عمليا لن تستطيع لأسباب لا تعد ولا تحصى، منها ما يتعلق بغزة نفسها وقدرتها على مفاجأة العدو، ونحن لا نعلم أين وصلت أنفاق المقاومة وقدراتها الصاروخية والعسكرية بشكل عام، وربما لو شعرت المقاومة أن غزة تتعرض لخطر وجودي لا بد وأن يقتحم عشرات الآلاف من المقاومين العمق الإسرائيلي سواء من تحت الأرض أو من فوقها، ونحن شاهدنا ما الذي حدث داخل تل أبيب مع وجود مقاوم فلسطيني واحد حيث استنفرت دولة الاحتلال كل جيشها وعجزت عن حسم الأمر في وقته. وإسرائيل تدرك أن استهداف غزة بالإبادة يعني تحرك الشعب الفلسطيني كله سواء داخل المناطق المحتلة عام 1948 أو في الضفة الغربية، ولا يمكن لفلسطيني أن يسكت عن جريمة بحجم الإبادة الجماعية لغزة، فضلًا عن إمكانية سقوط أنظمة عربية مثل أحجار الدومينو إذا حدث هذا السيناريو الموجود فقط في ذهن المهزومين نفسيًّا، ولو فكروا بالمنطق لعلموا أنهم على خطأ ولو فكروا أن النصر بيد الله لاستراحت نفوسهم.

 وأختم مقالي بالتأكيد أن الانقسام لم يعد موجودًا بين أبناء الشعب الفلسطيني حتى لو فشلت كل حوارات المصالحة العبثية، فغالبية الشعب مع المقاومة ويرى إنجازاتها ويؤمن بقدرتها على التغيير، وإذا استمر الأمر على هذا الحال؛ إنجازات للمقاومة وإخفاقات لأنصار أوسلو سوف تتبدل الانتماءات السياسية والتأييد الشعبي لصالح القضية الفلسطينية وستختفي فصائل وتندثر قيادات كانت تاريخية.