النكبة بين الاستعمار البليد والفلسطينيّ الجديد؟

بداية أسميت هذا الاستعمار بالبليد لأنه بين الحين والآخر يثبت بأنه أجهل الناس بحقيقة الإنسان الفلسطيني، كل الدروس والعبر عبر مراحل ومحطات متعدّدة يثبت الفلسطيني بأنه أكثر الناس عشقا للحريّة وحرصا عليها إلا أن هذا الاحتلال يصل من البلادة أن لا يعي هذه الحقيقة الفلسطينية الساطعة سطوع الشمس في رابعة النهار. ويمضي دائما مراهنا على أنه بالإمكان تطويع هذا الفلسطيني وإخضاعه ويحلم بالفلسطيني الجديد الذي رسم صورته هذا العقل الصهيوني البغيض والمتوحّش الذي لا يرى الناس إلا عبيدا له ولسياساته المدمّرة.

يراهن العقل الاستعماري دائما على التحولات التي يحدثها في تركيبة الإنسان الذي استعمر بلاده بحيث يصبح لديه قابلية للتعايش مع الاستعمار وقبوله والخضوع له والرضى بالواقع الذي يصنعه الاستعمار له فيتحوّل الوطن إلى مزرعة يُحشر فيها القطيع ويتم تحديد كل شيء له على حسب ما يريد المستعمر.

بعد أن نكب الشعب الفلسطيني بهذا الاستعمار الإحلالي الذي لم يكن يرى أن هناك أناسا في هذه الأرض، فاكتشف بعد ذلك أن هناك شعبا آخر، قتل من قتل وهجّر من هجّر ثم ما تبقى أراد لهم أن يكونوا الخدم والعبيد والأيدي العاملة الرخيصة، والأيام أثبتت له أن الشعب الفلسطيني لم يكن طوع يمينه ولم يستجب إلى هذه السياسة الاستعمارية إلا قليلا، بينما الغالبية العظمى تملك الإرادة الحرّة وتملك المفاجأة المذهلة لهذا الاستعمار البليد والذي يستعصي عليه فهم هذا الشعب دوما، فاجأته بانتفاضة الحجارة مثلا بعد أن ظن أن البلاد والعباد قد رضخوا له رضوخا تامّا، بعد عدة سنوات من أوسلو وتداعياتها المرّة فاجأته انتفاضة الأقصى، ثم فاجأته غزّة بعدة مفاجآت ارتعدت لها فرائصه بين الحين والآخر وزرعت منجلا دائما في حلقه، ومن قبل أيضا فاجأته لبنان ومقاومتها ولم يعد الاعتداء على هذا البلد الصغير نزهة استعمارية مريحة بل عدت جحيما لا يُطاق. ثم القدس وهبّاتها وقوّة مراس أهلها في حشر الاحتلال وقواته المدجّجة بقواعد اشتباك مبتكرة وجديدة لا قبل له بها، وجنين بعنفوانها المنيع والضفة الولادة بالأحرار والتي يخرج منها للاحتلال من حيث لا يحتسب بضربات موجعة تقض مضاجع أمنه بين الحين والآخر.

ما بين الفلسطيني أيام النكبة والفلسطيني هذا اليوم فرق شاسع، لم يستجب أبدا لسياسات التدجين والتطويع التي أرادها هذا الاحتلال، وحتى نكون موضوعيين، نقول إلا قليلا، بينما الغالبية مع دحر هذا الاحتلال والسير قدما إلى التحرير والعودة، وهذا ما نشاهده هذه الأيام والجماهير الفلسطينية تحيي ذكرى النكبة، فلم تعد النكبة مجرّد ذكرى عابرة بل هي البوصلة التي تصوّب الاتجاه وتذكي روح التحرير والانعتاق من ربقة هذا الاستعمار البليد.

الفلسطيني الجديد مصرّ على مواجهة هذا الاستعمار البليد في كلّ الميادين، فتعلو رايته خفاقة وتفضح سواده وسوء أخلاقه، فما جرى أخيرا من قتله بهذه الوحشية السادية غير المبرّرة أبدا للصحفية المسالمة شيرين أبو عاقلة وما تبع ذلك من الاعتداء على جنازتها يثبت كم تفوّق هذا الفلسطيني على عدوّه أخلاقيا وإنسانيا وحضاريا، بكل بساطة تم وضع هذا الاحتلال في أسفل سافلين وتم وضع الفلسطيني على رأس سلّم الرقي البشري للعالم أجمعين.

الفلسطيني الجديد يدرك حقيقة هذا الاستعمار ويعرف درجة بلادته التي لا تفقه لغة السلام أبدا، وقد وقف هذا الفلسطيني نتيجة لتجربته المريرة مع هذا الاستعمار على أن لا وسيلة للتحرير إلا بالوسيلة التي احتلّ بها هذا الاستعمار بلاده، وأن هذا لا يفقه إلا هذه اللغة.

الفلسطيني الجديد يدرك تماما أنه لا خيار ثالث أمامه، إما أن يكون عنصرا من عناصر العودة والتحرير، وإما أن يكون عنصرا من عناصر تكريس النكبة، وإما إنتاج نكبات جديدة، وهذا لا يكون إلا بأن يتلمّس وزنه ودوره في معادلة الاشتباك والمواجهة، فإما أن يكون ذاتا ثورية مجاهدة مكافحة في كلّ ميادين الحياة والشهود الحضاري، وإما أن يكون مسمارا من مسامير الاحتلال ومستعدّا لأن ينغرس حيث يريد له الاحتلال أن ينغرس، الفلسطينيون بغالبيتهم (وتثبت الأيام ذلك بين الحين والآخر) هم الحالة الثورية المجاهدة، وإن جاز له أن يكون مسمارا فهو مسمار في نعش الاحتلال.