مشاهد من معركة "الأعلام"

الطريقة الوحشية والغبية التي اتبعتها الشرطة الإسرائيلية في قمع المشيعين لجنازة الصحفية الراحلة شيرين أبو عاقلة لم تأتِ من فراغ، ولولا تدارك الأمر في اللحظات الأخيرة لتطور الأمر إلى مجزرة وشهداء، ولاندلعت انتفاضة عارمة في القدس والضفة الغربية، وربما أدى ذلك إلى حرب مع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، لأن هذا الحدث لم نشاهده من قبل، وفيه قدر كبير من الاستفزاز في حضرة الموت والحزن والغضب بغض النظر عن التفاصيل الأخرى.

هذا المشهد الذي استفز الشعب الفلسطيني وربما شعوب العالم يأتي في سياق معركة الأعلام الدائرة بين الفلسطينيين والمحتل الإسرائيلي، ولكن رفع الأعلام الفلسطينية في جنازة وعلى أرض فلسطينية ليس كرفع الأعلام الإسرائيلية في مناطق فلسطينية مقدسة ومن أجل استفزاز مشاعر سكان القدس والمرابطين في الأقصى.

الذي زاد من توتر الشرطة الإسرائيلية في القدس المحتلة ودفعهم إلى التصرف بحقد وأحمق هو إجبارهم على منع رفع العلم الإسرائيلي في القدس، بسبب تهديدات المقاومة وهذا بالطبع لا يبرر جريمتهم، وقد شاهدنا كيف قامت شرطة الاحتلال بانتزاع الأعلام الإسرائيلية من أيدي المستوطنين، طبعا دون الاعتداء عليهم، ولكن الشرطة والجيش والمستوطنين شعروا بالإهانة الشديدة وفقدان السيادة على القدس، ما ضاعف حقدهم على الشعب الفلسطيني، ومشهد آخر لا يقل ضررا على نفسية المحتلين هو مشاهدة فتيات إسرائيليات في أحد شوارع القدس "بعيدا عن الأقصى" ينزعن بمحض إرادتهن أعلاما إسرائيلية كانت مرفوعة على مركبتهن بسبب احتفالاتهن، فعلن ذلك بسبب وجود مظاهرة قريبة للفلسطينيين وخشية من التعرض للأذى، فلم يصدق الإسرائيليون أن هذا يحدث في القدس حتى دفع أحد المحللين الإسرائيليين للقول إن دولته لم يعد لها سيادة في القدس.

اعتاد الإسرائيليون في مثل هذه الأيام على عمل مسيرة تسمى مسيرة الأعلام، يرفعون فيها آلاف الإعلام ويرقصون ويطوفون في القدس بما في ذلك الأحياء العربية، ولكن العام الماضي منعتهم المقاومة، وتم تغيير مسارها بحيث لا تقترب من الأقصى ولا من الأحياء العربية، ولم يشارك فيها سوى القليل خشية من ضربهم بالصواريخ، وهذا العام قد لا تتم أيضا بفعل تهديد المقاومة، أو قد نشهد فصلا جديدا من معركة سيف القدس إذا أصر المستوطنون على جلب الكارثة لأنفسهم ولجيشهم ولحكومتهم.