النكبة والعقد الثامن لـ(إسرائيل)

لم يكن الشيخ بسام جرار وحده الذي تحدث عن اقتراب زوال (إسرائيل)، فقد سبقه وتبعه في ذلك كثير، لكن اللافت أن يأتي هذا الحديث "من بني يهود" أنفسهم، على لسان من  تقلدوا أرفع المناصب السياسية، العسكرية والأمنية، آخرهم وزير الجيش "بيني غانتس" الذي قال في اجتماع مغلق لحزبه "أزرق أبيض" إن مستقبل الدولة اليهودية في خطر، قد ينتهي "بين غديرا والخضيرة"، وفق ما نقلت عنه صحيفة "إسرائيل اليوم"، وقبل أيام عبر "إيهود بارك" وزير الجيش ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق في مقال بصحيفة "يديعوت أحرنوت"، عن خشيته بأن " تنزل بإسرائيل لعنة العقد الثامن كما نزلت بسابقتها".

هذه الأقوال المنسوبة لقادة سياسيين وعسكريين، خاضوا تجربة الصراع عن قرب مع الفلسطينيين، تلامس واقعا نعيشه، بينما تحل علينا الذكرى الـ74 لاحتلال فلسطين وإحلال "إسرائيل" بعد قتل وتشريد سكانها وتدمير قراها، إلى جانب الذكرى الأولى لمعركة "سيف القدس" التي خاضتها المقاومة الفلسطينية في أواخر رمضان 2021، انتصارا للقدس ولحي الشيخ جراح، وأرست معادلات ردع جديدة تجاوزت "حدود غزة ومتطلبات معيشتها".

ذكرى النكبة،  أقبلت هذه المرة في ظروف ومتغيرات فلسطينية وإقليمية ودولية مختلفة تماما عن سابقاتها، وإن حصرنا حديثنا في الواقع الفلسطيني، نجد أن (إسرائيل) لم تعد هي صاحبة الكلمة العليا والضربة الأولى، فمعركة سيف القدس التي بدأها الفلسطينيون قبل عام، ما زال صداها يتردد في القدس وباحات المسجد الأقصى، وأجبرت -دون أن تطلق صاروخا واحدا- حكومة الاحتلال وجيشه على إلغاء فعاليات ومسيرات استفزازية لمشاعر الفلسطينيين والمسلمين، كان مقرة خلال شهر رمضان الذي غادرنا قبل أيام قليلة، رغم أن كل المؤشرات والتقديرات كانت تقول بأن المواجهة حتمية بسبب تزامن الشهر الفضيل مع الأعياد اليهودية، وما يتخلل ذلك من اقتحامات للأقصى وارتفاع منسوب استفزازات المستوطنين.

كذلك لم يعد الفلسطينيون هم الحلقة الأضعف، ولم يكتف بتلقي الضربة، فردوا "الصاع صاعين"، وعفا الزمن عن مرحلة عابرة من تاريخنا، كان اقتحام المدن الفلسطينية مجرد نزهة إسرائيلية، فتصاعدت المواجهة وتوسعت دائرة انتشارها عند مئات نقاط الاشتباك، وارتفعت وتيرة عمليات المقاومة بكل أشكالها وصولا إلى عمليات إطلاق النار، وولدت "جنين الثورة" من تحت ركام "عملية السور الواقي قبل 20 عاما"، وتدحرجت كرة لهيبها، وعبر أبطالها إلى قلب "تل أبيب"، رغم كل الإجراءات والتعقيدات الأمنية

وكان لافتا أيضا دخول أهلنا في الداخل المحتل على "الخط الساخن"، وهو المتغير الإستراتيجي الجديد والخطر المرتبط بالوجود اليهودي على أرضنا، حيث بدأت أولى شراراته خلال الحرب الماضية عندما انتفض شعبنا هناك، واشتبك مع الإسرائيليين في الأحياء المشتركة في اللد والرملة، وغيرها وأجبروا الغرباء على الرحيل ولو مؤقتا في صورة مصغرة لمشهد الترحيل الكبير.

أكثر من 20 إسرائيليا قتلوا في زمن قياسي، في ملحمة بطولية تقول للغزاة "لا فناء لثائر"، وأعادت انعاش "نبض الضفة" الثائر الذي توقفت "حينا من الدهر"، بحكم متغيرات ميدانية أقعدته عن الحراك وأوقفت حيويته الثائرة، فثار الفلسطيني حاملا "الكارلو" والسكين والساطور، ليقاتل الجنود والمستوطنين المدججين بالسلاح، فزادت الكلفة على الاحتلال ماديا وعسكريا وأمنيا، الأمر الذي أعاد ذاكرة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إلى 20 عاما إلى الوراء عندما هب الفلسطينيون في انتفاضة الأقصى المباركة.

هذه المواجهة المفتوحة مع الاحتلال جنودا ومستوطنين، واستعداد شعبنا للتضحية والشهادة، سرقت النوم مع عيونهم، وسلبت المستوطنين الأمن الشخصي والسلام الداخلي، وهو ما دفع قيادات إسرائيلية وازنة مثل باراك وغانتس ومن قبلهم بنيامين نتنياهو إلى التشكيك بالبقاء وإطالة عمر وجودهم على أرضنا، ولعل جريمة اغتيال مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة وحالة التضامن الواسع على مستوى العالم، وهذا الانكشاف الفاضح لوجه (إسرائيل)، في ظني أنها "بشرة خير" وتنبئ بمستقبل "بلا إسرائيل" التي ستنهار مثل "برج من ورق"، قبل أن تبلغ "عقدها الثامن".