في ذكرى النكبة.. حتمًا سنعود

رحلت عنا شهيدة الكلمة مراسلة قناة الجزيرة القطرية شيرين أبو عاقلة، بعد أن أطلق قناص من جيش الاحتلال الإسرائيلي النار عليها، ليقتلها ويصيب زميلها. نعم، إنه الاحتلال الإسرائيلي الذي عمل وما زال يعمل على قتل الحق التاريخي في فلسطين، واليوم يمارس سياسة قتل الحقيقة بعد اغتياله شيرين وعشرات الصحفيين.

هنيئا لكِ شيرين أبو عاقلة، فقد وهبت حياتك لكشف الوجه القبيح للاحتلال وإرهابه، في جنازتك كانت الخطوة الأولى لزوال الاحتلال لأنكِ أكدتِ المؤكد في همجية الاحتلال، ووجوب اقتلاعه.

ما سبق حقيقة راسخة يؤمن بها كل الفلسطينيين، ويتحدث بها أيضاً بعض الصهاينة، وأستشهد في مقالي بحدثين على سبيل المثال لا الحصر، الأول: تصريح ايهود باراك رئيس الوزراء السابق في مقال نشرته يديعوت أحرنوت، عبر فيها عن مخاوفه من قرب زوال إسرائيل قبل حلول الذكرى الـ80 لتأسيسها، مستشهدا في ذلك بـ"التاريخ اليهودي الذي يفيد بأنه لم تعمّر لليهود دولة أكثر من 80 سنة إلا في فترتين استثنائيتين".

أضاف باراك: "على مرِّ التاريخ اليهودي لم تعمر لليهود دولة أكثر من 80 سنة إلا في فترتين: فترة الملك داود وفترة الحشمونائيم، وكلتا الفترتين كانت بداية تفككها في العقد الثامن".

وأضاف قائلًا إن تجربة الدولة العبرية الصهيونية الحالية هي التجربة الثالثة، وهي الآن في عقدها الثامن، وإنه يخشى أن تنزل بها لعنة العقد الثامن كما نزلت بسابقتها.

وأشار باراك إلى أنهم ليسوا وحدهم من أصابتهم لعنة العقد الثامن، "فأميركا نشبت فيها الحرب الأهلية في العقد الثامن من عمرها، وإيطاليا تحولت إلى دولة فاشية في عقدها الثامن، وألمانيا تحولت إلى دولة نازية في عقدها الثامن وكانت سببا في هزيمتها وتقسيمها، وفي العقد الثامن من عمر الثورة الشيوعية تفكك الاتحاد السوفياتي وانهار وانفرط عقده".  

الثاني: حصل قبل عدة سنوات عندما اصطفت السيارات السوداء الفاخرة لتدخل قاعة الاحتفالات المركزية، تنزل منها شخصيات ترتدي أفخم الملابس وربطات العنق العالمية، ومن داخل القاعة بدأت المفاجأة، فما الذي حصل بالضبط...؟ وماذا يعني ذلك سياسياً...؟

لم يتأخر أحد من قادة (إسرائيل) والسفراء الأجانب عن تلبية دعوة رئيس الحكومة في وقتها بنيامين نتنياهو للاحتفال بذكرى ميلاد والده المئة، وبينما القاعة تضج بالحضور ألقى والد نتنياهو المؤرخ اليهودي البروفيسور بن تسيون نتنياهو كلمة كانت بمنزلة المفاجأة والصدمة في آن واحد بالنسبة للحضور، أبرز ما جاء فيها قوله: “ما دام الشعب الفلسطيني لم ينسَ نكبته، وما زال يحتفي بها؛ فإنني أقول: لا مستقبل لدولة إسرائيل”.

مضت سنوات على هذا الاحتفال، وكل عام يمضي تزداد القناعة لدى شعبنا بأنه لا مستقبل لدولة إسرائيل، وهذا نابع من عقيدتنا الإسلامية أولاً، ومن تقييم أعدائنا، ومن قوة وبسالة وصود شعبنا الذي ينقصه فقط قيادة موحدة مؤمنة بحتمية التحرير، وكل همها تجميع طاقات شعبنا لتحقيق هذا الهدف، وهذا لا يمكن أن يتم دون تقييم وتقويم للمسار الوطني خلال العقود الفائتة.

نعم، العودة حق كالشمس، لن يستطيع أي كان أن يتنازل عنها، فهي حق فردي لكل اللاجئين الفلسطينيين، كفلته القوانين والمواثيق الدولية والأعراف الإنسانية، ولذلك حتمًا سنعود، وسنبقى نطالب بحقوقنا بكل السبل المشروعة والمكفولة بالقانون، فإنهاء الاحتلال ضرورة وطنية، ويجب أن تكون المصالحة الوطنية إحدى أهم دعائم تحقيق الهدف الإستراتيجي، وهو إنهاء الاحتلال، فلا يعقل أن ينعم هذا الاحتلال بخيرات بلادنا ومياهه وموارده، في حين يتكدس اللاجئون بمخيمات لا تصلح للعيش الآدمي، في فلسطين وخارجها.

جيلنا ولد بغزة، ولم يبقَ من جيل النكبة على قيد الحياة سوى القليل، ومع ذلك ما زال شغف العودة لدى الأجيال يسري في الدماء، ومفاتيح العودة يتوارثها الأبناء من الأجداد، وسيبقى الشعب الفلسطيني يحيي ذكرى نكبته حتى يتحقق حلمه بالعودة إلى دياره، والتعويض عن كل ما حصل له.

ومن هنا في الذكرى الرابعة والسبعين للنكبة أبرق بالرسائل الآتية:

1- إن ديمومة واستمرارية الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي طوال السنوات الماضية لا يمكن إلا أن يصل في نهاية المطاف إلى التحرير والعودة.

2- إن معاركنا مع الاحتلال، ولا سيما معركة سيف القدس 2021م والعصف المأكول 2014م، وإبداعات المقاومة بضرب الخطوط الخلفية للعدو أكدتا لشعبنا أن لحظة التحرير اقتربت، وأن العودة إلى ديارنا لم تعد حلمًا.

3- يجب أن يتحمل الكيان العبري سياسيًّا وقانونيًّا وأخلاقيًّا تبعات جريمته بتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، وهذا يتطلب حراكاً دبلوماسياً قانونياً فلسطينياً وعربياً.

4- ملف حق العودة غير قابل للتصرف أو التفاوض، فهو حق فردي لا يملك التصرف به أي رئيس أو حزب أو منظمة.

5- يجب أن تتحمل (أونروا) مسئولياتها القانونية والأخلاقية والسياسية وفقًا لقرار تأسيسها (رقم 302)، مع ضرورة أن يرافق ذلك حملة دولية وإقليمية لرفض قرارها بالتخلي عن مسئولياتها لصالح مؤسسات شريكة، لأن شعبنا مؤمن ومصر على ربط إنهاء عمل الأونروا بعودة اللاجئين إلى ديارهم، وحتى يتحقق ذلك تتحمل الأونروا المسئولية القانونية والأخلاقية عن ملايين اللاجئين الفلسطينيين.

6- على الفصائل الفلسطينية توحيد جهودهم في القضايا الوطنية الكبرى، فلا يعقل أن يكون لكل فصيل لجنة مختصة باللاجئين تعمل بصورة منفردة، بل يجب أن يعملوا جميعًا ضمن إطار يجمع كل الفصائل الوطنية والإسلامية، وأعتقد أن لجنة شؤون اللاجئين التابعة لمنظمة التحرير مؤهلة لأن تقوم بهذا الدور، ولكن هذا يحتاج لاجتماع الإطار القيادي المؤقت للمنظمة، للعمل على إصلاح وتفعيل هياكلها.

7- يجب تبني رؤية لتطوير فعاليات النكبة بتطوير المناهج الدراسية والأعمال الفنية، والخطط الإعلامية، التي تغرس في الأجيال الصغيرة معنى العودة، بالإضافة إلى إحياء نموذج مسيرات العودة في كل الأراضي الفلسطينية بعد تقييمها من لجان مختصة.

8- على الجالية الفلسطينية في الشتات والسفارات والقنصليات التواصل مع المجتمعات الغربية؛ لشرح الأوضاع الإنسانية التي يعيشها اللاجئ الفلسطيني في أماكن وجوده، ووضعه في صورة المؤامرات التي تحاك ضد عودته.

في الختام في الذكرى الـ 74 للنكبة لا بد من إرسال رسالة إلى بلدتي الأصلية، تلك البلدة التي ولد فيها والدي وأجدادي، وحدثني والدي كثيرًا عن جمالها، وجمال برتقالها، وطيبة عوائلها، وهي بيت دجن، وهي قرية فلسطينية عربية تقع على بعد حوالي 10 كم جنوب شرق مدينة يافا، ومن أهم عوائلها المهجرة: اليحيى (الدجني)، وعباد، وعائلة حبش، وأبو عون، وعزام، والجايح، والخوالدة، والحانوتي، وأبو نافوخ، والبطش، وغطاس، وحمودة، والعسود، والبشاوي… وأخرى. ولبيت دجن وبقية قرى ومدن فلسطين أقول: حتمًا سنعود.