تقرير الأزمة الأوكرانية تُعرِّي العنصرية الدولية تجاه الآخر الفلسطيني

...
غزة/ ضحى حبيب:

أثارت ازدواجية المعايير التي يتعامل بها المجتمع الدولي تساؤلات فلسطينية حول سياسة التفريق بين ما يجري من انتهاكات للاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، وما يجري في أوكرانيا ومساندة المجتمع الدولي لها في مواجهة العملية العسكرية الروسية.

ففي الوقت الذي تفتح فيه الدول أبوابها مشرعة أمام اللاجئين الأوكرانيين وتقدم لهم التسهيلات والمساندة والدعم المادي، لم يجد الفلسطيني من ينصفه منذ 74 عامًا من التهجير واللجوء.

وفي الوقت الذي تُفرض فيه عقوبات سياسية واقتصادية وثقافية ورياضية ضد روسيا، لم يجد الفلسطينيون من يُجرم الاحتلال الإسرائيلي الذي سلب أرضهم ومقدراتهم وارتكب بحقهم أبشع الجرائم وقتل منذ النكبة أكثر من 100 ألف فلسطيني.

ويجمع أكاديميون ومختصون على أن الازدواجية التي يتعامل بها المجتمع الدولي بين الأزمة الأوكرانية والقضية الفلسطينية ليست جديدة، بل سياسة متجذرة في الثقافة الغربية، لكن الأزمة الأوكرانية جعلتها تبدو أوضح من ذي قبل.

ويؤكدون أهمية أن تكون هناك وحدة فلسطينية حقيقية يستطيع الشعب من خلالها رفع مطالبهم والسير بقوة نحو إرجاع الحق الفلسطيني.

ويقول المحلل السياسي والخبير في شؤون الأمن القومي إبراهيم حبيب: "الجديد في الأزمة الأوكرانية أن هذه الازدواجية ظهرت بشكل فج وجعلت العالم ينظر بعين الريبة للغرب وديمقراطيته وثقافته العنصرية ضد الآخر".

وأشار إلى أن وجه الشبه بين الأوكرانيين والفلسطينيين أنهم يمتلكون الحق في المقاومة والدفاع عن الأرض، وهو حق تكفله القوانين والأعراف الدولية لكل من اعتُدِي عليه وعلى أرضه وممتلكاته، لكن التمييز العنصري الذي يمارسه المجتمع الدولي يدفعهم لمساندة الأوكرانيين ودعمهم والتغني ببطولاتهم، على حين يتهمون الفلسطينيين بالإرهاب والدموية.

وتابع حبيب: "يُضرب بالقوانين والمواثيق الدولية عرض الحائط عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية وهذا يدل على أن الدول الكبرى تطبق المعايير الدولية وفقًا لمصالحها ولا اعتبار للمواقف الإنسانية، وهذا ما رأيناه بوضوح في فلسطين وسوريا والعراق وأفغانستان وغيرها".

ويلفت إلى أن الشعب الفلسطيني أدرك بعد الأزمة الأوكرانية كذب ما يدعيه المجتمع الدولي من حرصه على القضية الفلسطينية وجلب الحقوق وقال: "إن المجتمع الدولي لن يأتينا بخير".

ويضاف حبيب: "أظهرت لنا الأزمة الأوكرانية نموذجًا إيجابيًّا من التضامن الأوروبي مع الشعب الأوكراني رغم الاختلافات الجوهرية بين تلك الشعوب من حيث القومية والمذاهب الدينية والأنظمة السياسية المتباينة، وهذا ما علينا الاستفادة منه لتوحيد الجهود والعمل على دحر الاحتلال بكل أشكال المقاومة التي بين أيدينا وبكل ما أوتينا من قوة".

ازدواجية إعلامية

ومن جانبه، يبين أستاذ الصحافة والإعلام بالجامعة الإسلامية طلعت عيسى أن الإعلام الدولي عمل بفاعلية كبيرة لإبراز تأثيرات العملية العسكرية الروسية تجاه أوكرانيا وردود أفعال الرأي العام في القارة الأوروبية والأمريكية، وهذه التأثيرات بدت على درجة كبيرة من التمييز والتفرقة في التعامل مع قضايا مماثلة كالقضية الفلسطينية أو السورية وغيرها.

ويمضي إلى القول: "ظهرت الازدواجية في التعامل عبر وسائل إعلام الدول الكبرى بوضوح ولم يحاولوا حتى إخفاءها أو تبريرها".

ويؤكد عيسى أهمية أن يستثمر الإعلام الفلسطيني هذه الفرصة في المطالبة بحقوقه ولفت أنظار العالم من جديد للقضية الفلسطينية بإبراز أوجه الشبه بين القضيتين واستغلال التعاطف العالمي الآن لصالح قضيته.

ومن جهته، يقول أستاذ القانون الدولي أحمد العويضي: "القوانين الدولية صحيحة من حيث المبدأ لكننا نواجه مشكلة حقيقية في تطبيقها وأصبحنا اليوم بحاجة إلى قوة القانون وليس لقانون القوة".

ويؤكد أهمية أن يكون لدى الشعب الفلسطيني ثقافة قانونية وقوة حقيقية على الأرض، "كما علينا ألا نراهن كثيرًا على المجتمع الدولي فيما يتعلق بدعم القضية الفلسطينية".

استثمار الازدواجية

أما الصحفية هداية حسنين فتشير إلى أن السياسة التي يتعامل بها المجتمع الدولي "تحمل نظرة عنصرية مقيتة للشعوب العربية عمومًا، والشعب الفلسطيني خصوصًا".

وترى أن على الإعلام الفلسطيني تبني خطاب عالمي يستثمر ازدواجية المعايير والتفريق بين الأوكراني والفلسطيني ضد الاحتلال والمجتمع الدولي الذي يدعي الإنسانية والديمقراطية.

يشار إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية وهيئات الأمم المتحدة اتخذت إجراءات عقابية ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في غضون خمسة أيام من العدوان الروسي على أوكرانيا، على حين أنها لم تُجرم الاحتلال الإسرائيلي الذي ارتكب بحق الفلسطينيين عشرات بل مئات المجازر وجرائم الحرب والذي يمارس ضدهم أبشع السياسات العنصرية الجائرة منذ عام 1948.

ويقول مواطنون إن القرارات التي اتخذتها هيئات الأمم المتحدة بشأن حق الفلسطينيين بالعودة إلى أرضهم وتقرير مصيرهم لا تعدو أكثر من كونها حبرًا على ورق؛ لم تنفذ.

لكن حلم العودة لا يزال يراود كل فلسطيني هُجر من أرضه عام النكبة، وينتظر اليوم الذي يتحقق فيه ذلك الحلم ويراه ماثلًا أمام عينيه، والفلسطينيون من يوم تهجيرهم إلى اليوم يناضلون من أجل حقهم وقضيتهم العادلة رغم الاعتداءات والاتهامات التي يكيلها لهم المجتمع الدولي.