بعد أربعين سنة.. كريم يونس يرسل لأمّه فاتحة ودمعة

لا يمكن لكل من ملك مشاعر إنسان أن يدرك عمق الألم الذي شعر به كريم يونس عند تلقيه خبر وفاة أمّه، كيف قضت أربعين سنة نحبها في سجونهم القاسية؟ هنا نقف خاشعين، منفعلين بعمق سحيق بين يدي أربعين سنة في السجن؟ نحن لا نتحدّث عن أربع سنين وهي والله لكبيرة، مع هذا فإننا نتحدّث عن أربعين سنة، كيف مرّت وماذا نحتت في قلبه وجسمه وماذا تركت في روحه؟ كيف سار في حناياها وكيف تجاوز طرقها الوعرة؟ وكيف كانت أمه في ظلمات هذه العوالم المديدة تسطع بنورها وتبدّد هذه الحجب الكثيفة التي فصلت بينه وبين الحياة؟ كيف رحلت بعد أربعين سنة إلا ثمانية أشهر؟ 

لن تتسع قلوب سجانيه إلا لقسوة عجزت عنها الحجارة وإلا لأحقاد وروح جريمة لا تعرف لغة لين ولو للحظة عابرة، نفوس نكدة جبلتها سادية محترفة تتفنّن في صناعة الجريمة وتتنفّس ريحا سادية مطلقة نتنة قد سدّت أفقها بالحديد ونار السّموم. إذ ماذا لو أنقصت من الأربعين سنة التي قضاها كريم في سجونهم النكدة ثمانية شهور؟ ماذا لو سمحوا له بوداع أمه أو أن يلقي عليها نظرة الوداع الأخير وهي جثمان مسجّى لا حراك فيه؟ هل يفعلون ذلك مع سجين مجرم من مساجينهم اليهود؟ نعلم أن لمجرميهم إجازات يخرجون فيها من السجن ومنهم من تزوج وأنجب مثل المجرم "يغال عمير" قاتل زعيمهم "اسحق ربين"، أما نحن فلا ينظرون إلينا إلا بعيون حاقدة موصولة بقلوب قد أخرجت أثقالها من سخيمة وأحقاد متأصلة في نفوسهم. 

لم تشبع بطونهم التي ملأ أركانها استباحة الفلسطيني حتى النخاع، أرضا وشعبا، باطنا وظاهرا، سرّا وعلانية، فرادى وجماعات، حقوق ومكتسبات، مشاعر وإنسانيات، الحياة الفلسطينية عندهم كلّها مستباحة حلال زلال لهم أن يفعلوا بها ما شاءت نفوسهم المريضة والمنحرفة، كريم يونس كان من هذا الكلّ الفلسطيني الذي وقع عليه سوطهم وداست نفسه تضاريسهم النكرة ذات النتوءات الشاذّة المنفرة. 

مهما كان كريم شخصية قوية فذّة، (يكفيها أنها تحمّلت أذى سجن أربعين سنة بكلّ ما حوت من قهر والم وذلّ ورابطت في خندق متقدم في ملحمة بطولية تبدو أن لا نهاية لها) إلا أنها أمام الأمّ ضعيفة بل ضعيفة جدا وخاصة ونحن نتحدّث عن أمّ صابرة مجاهدة، صبرت طويلا وجاهدتهم جهادا كبيرا وطاردت فلذة كبها من سجن لآخر حتى ما بقي سجن يعتب عليها، تشهد لها بوابات السجون، تلك المرأة الفلسطينية الشامخة التي لا تشكو ألمها لأحد. أربعين سنة والأمل يداعبه أن يعانق أمّه نهاية طريق الآلام ولو لمرّة واحدة، فيقف هذا العدو بكل جبروته البشع، يقف بترسانته النووية وسلاح جوه المريع ودباباته المؤلّلة والمدجّجة بأعتى السلاح، وسجونه المحصنة بالجدر والأقفال والحديد المترسن، يقف بكلّ هذا ليحول بين قلبين جميلين لا يعرفان إلا لغة الحبّ والمشاعر الجميلة، ليحول بين روح تملك قبلة فيمنعها من زرعها على جبين أمّ راحلة الى الأبدية الخالدة دون رجعة إلى هذه الحياة الفانية. 

كريم يونس الآن يقرأ سورة الفاتحة بصمت رهيب ويرسلها عبر البريد الروحي الجميل، تودّع روحه الخالدة والراحلة إلى عليين، تنفصل الروحان ويقف بينهما كل قضّهم وقضيضهم وكلّ حديدهم وجدرانهم، من عمق بطن الحوت يرسل لأمه سورة الفاتحة مغمّسة بدموعه الساخنة وحرارة روحه العالية، هذا كلّ ما تبقّى لديه فاتحة ودمعة.

ونحن المتفرّجون في عالم موحش مكفهرّ يمارس توحشه بكل هذا القهر والألم، هل قصّرنا؟ بكل تأكيد، هل كان بإمكاننا أن نفعل ولم نفعل؟ نعم بكلّ تأكيد. أما وقد حصلت هذه الكارثة الإنسانية بكلّ أبعادها البشعة فماذا نحن فاعلون للبقيّة الباقية من أسودنا الرابضة هناك والتي ما زالت تنتظر مثل هذا المصير؟؟