إغلاق المعابر حرب استنزاف ضد أهالي غزة

عندما يوصي الجيش الإسرائيلي قيادته السياسية باللجوء إلى العقاب الاقتصادي ردًّا على صواريخ غزة، فذلك يعني أن الجيش الإسرائيلي فقد القدرة على ردع غزة، واقتنع أن تحليق الطائرات، وقصف بعض المواقع هنا وهناك، لا يرعب أهل غزة، ولا يحول دون صمودهم، ومواصلة تطوير قدراتهم القتالية.

لقد استجابت القيادة السياسية الإسرائيلية لتوصية المستوى العسكري، وقررت إغلاق معبر بيت حانون الذي يؤمن وصول 12 ألف عامل إلى أماكن عملهم داخل فلسطين المغتصبة، بل عاودت القيادة السياسية والأمنية برئاسة وزير الحرب ورئيس الأركان، وعقدت اجتماعًا مع قيادة المنطقة الجنوبية، وقررت الاستمرار في إغلاق معبر بيت حانون، مع تأكيد وزير الحرب، أنَّ السماح لعمال قطاع غزَّة بالعودة للعمل داخل "إسرائيل"، مرتبط بعودة الاستقرار الأمني.

إغلاق معبر بيت حانون حرب استنزاف ضد أهالي غزة، وهي عقاب جماعي لا يقل وحشية وشراسة عن الطائرات المغيرة، وعن الصواريخ التدميرية، وهذا الشكل من الإرهاب ليس جديدًا على أهل فلسطين عامةً، وعلى أهل قطاع غزة خاصةً، فقد خبروه، وعاش سكان غزة سنوات طويلة في ظل الحصار، وصمدوا تحت ظروف معيشية أقسى وأشد مما هم عليه اليوم.

إغلاق المعابر جزء من خطة السلام الاقتصادي الذي تحدث عنه وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد قبل عدة أشهر، الخطة التي اعتمدت مبدأ التسهيلات المعيشية، وتقديم المزيد من فرص العمل، مقابل الهدوء، وربط مصالح السكان الحياتية بهذا الهدوء، الذي سيغدو مطلبًا جماهيريًا، ومصلحة يحرص عليها المواطن الفلسطيني، وقد وجدت هذه الدعوة إلى السلام الاقتصادي صداها لدى معظم قادة الكيان الصهيوني، وصارت صلب العلاقة اليومية بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

السلام الاقتصادي الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي على مجمل مناحي حياة الفلسطينيين لا يواجه بالصمت، ولا يواجه بالانتظار، ولا بالاستماع إلى الوسطاء، وقبول أنصاف الحلول، والعودة إلى الهدوء مقابل فتح المعابر، السلام الاقتصادي يُتصدى له بتأكيد أن العلاقة القائمة بين جيش الاحتلال والشعب الذي يعاني الاحتلال هي علاقة المقاومة اليومية، وعلى مدار الساعة، وأن إغلاق المعابر هو أقصر الطرق إلى المزيد من الصواريخ والإرباك ومسيرات الغضب.

وطالما اختار العدو حرب الاستنزاف بإغلاق المعابر، فإن الرد على الاستنزاف الاقتصادي والمعيشي لا بد أن يكون متبادلًا، وبتنقيط الصواريخ التي تؤرق حياة العدو، وتحول دون الاستقرار الأمني، وتسقط نظرية وزير الحرب الذي عدَّ فتح المعبر تكرمًا وسخاءً إسرائيليًّا تجاه حياة الفلسطينيين المدنية والاقتصادية، وأنه مرتبط بالحفاظ على مواصلة الاستقرار الأمني.

يجب أن تسقط هذه الفلسفة الأمنية، وأن يعتمد الشعب الفلسطيني وتنظيماته المقاومة سياسة الاستنزاف طويل الأمد، تلك السياسة التي يرتعب منها العدو؛ الذي لا يقدر على العيش بعيدًا عن الهدوء والاستقرار الأمني.