حينما تزأرُ الأسود

تفتقدك غزة وفلسطين وكلّ حرٍّ يرى فيك معاني العزّة والقوّة، وتشتاق الجماهير لطلّتك المتعالية على العدوّ، حين تعتلي المنصّة لتُذْكي وقود الكرامة بصوت العزّة رافعاً بساعدك سلاح الحق في وجه الجبناء متمرّداً على كل الطواغيت متحدّياً أرتال الجبروت، بصوت زئيرك الذي ملأ قلوب أعدائك رعباً وأنت تستلّ سلاحك بعزّة وعنفوان "هذا هو الطريق"، نعم، بل ولجمتهم بالصمت حين ألقمتهم حجر الشهادة الذي تتمنّاه صاروخاً يعانق روحك إلى العلياء، وقد كان.

كتائب القسام تشبّعت بأنفاسك الحرة الصادقة، وبصماتك عليها رغم رحيلك، ما زال أعداؤك يذكرون عنادك حين اعتقلوك واشتبكت معهم بالأيدي، مُنعت النوم ستة أيّام متواصلة، ووضعوك في الثلاجة، ولم يستطيعوا سحب كلمة واحدة، كنت عنيدا كالجبل الأشمّ، بل وكان السجن جنّة القرآن الذي حفظته خلال الأسر، وأنرت زنزانتك بنور القرآن في قيام الليل، لتنير حولك أمة بكاملها رأت نورك فاستنارت واسترشدت وأتبعت خطاها خطاك.

تشهد الطرقات التي كنت تقطعها ماشيا بالكيلومترات تحمل الدواء للفقراء تعالجهم وتبلسم فقرهم بحنانك ورقتك، رغم صلابة مواقفك مع الأعداء، فإنك كنت بالمساكين والأهل رؤوفًا رحيمًا، تعين هنا وتعالج هناك، وتذكي نار الجهاد في صفوف الكتائب، كنت معطاءً في كل الميادين، حتى جنّ جنون أعدائك، وتم إبعادك مع ثلّة العزة والكرامة، ولكن كنت راسيًا بالحق صادحًا تزعجهم بزئيرك في مرج الزهور، تعب أعداؤك وما تعبت، كلّوا وما كللت.

وحين عادت السلطة لتكون أداة القمع في يد الجلاد صبرت، بل وأنرت لإخوتك قائلا: "لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك" لم تسمح للعدوّ أن يظفر بعداوة الأشقاء، برغم قسوة المشهد والعذاب الذي تلطّخت أيديهم به، ولكنك كالعادة جبل أشمّ لا تليّنه الصعاب.

ما الذي سنكتبه في رحيلك أيها الأسد الهصور؟ حاولوا قتلك مراراً، حين يعجز العدو أن يثنيك، وأن يجمح نار قوتك، يوجّه إليك سهام الغدر التي تمنيت أن تلقى الله بها، في يوم أصبحت تشدو قائلا: "أن تدخلني ربي الجنة.. هذا أقصى ما أتمنى"، لقد كنت صادقا مع الله فصدقك، وأعطاك ما تمنّيت، وصعدت روحك الطاهرة إلى مقرّ الشهداء، لتنير بدمائك درب القسام وكل حرٍّ على ثرى فلسطين.

رحلت وبقي زئيرك يهزُّ كيان العدوّ في يافا وفي حيفا وتل أبيب، وها هي الكتائب التي ربيتها بيديك تدكُّ معاقل العدوّ المجرم في عقر داره، ولا تزال رائحة المسك تعبق في أرض الشهداء، والدّماء تخطُّ طريقها على آثار دمائك، لتكتمل أهزوجة النصر قريبا، بما رسمت  على خطى شيخك الياسين، الذي ما طاقت روحك فراقه لتلحق به بعد أيام قليلة، هذه أرواح الصّادقين المحبين المجاهدين، نالوا شرفا وشرّفوا بأفعالهم أمّة بأسرها، تقبّلكم الله في أعلى درجات الخلد أيّها الأبطال، ما زلتم أحياء رغم الرّحيل، وما زالت الأرض تنبض بنبض قلوبكم الصّادقة، فلا عَقُمت أرحام أنجبت أمثالكم.