يوم الأرض جاء عاجلًا، وجاء عاصفًا

على غير عادته، جاء يوم الأرض لهذا العام قبل موعده، جاء على هيئة عواصف وصواعق ضربت أمن الاحتلال الإسرائيلي في القلب، وبالشكل الموجع الذي لم يتوقعه، فاختلت الحسابات السياسية، وارتبكت الإجراءات الأمنية، التي كانت تتحسب من العواصف التي ستهب على أمنها من الأرض المحتلة سنة 67 في الضفة الغربية وغزة، فإذا بها أمام أعاصير، تجبرها على التراجع 74 عاماً إلى الوراء، إلى ما قبل تأسيس هذا الكيان الغاصب.

يوم الأرض مناسبة وطنية فلسطينية بدأت سنة 1976، مع ارتقاء 6 شهداء، في أول مسيرة عربية تدافع عن الأرض، التي يعيش فوقها الفلسطيني، ولا يمتلك الحق بالتصرف بها، تلك السياسة الإسرائيلية التي فجرت يوم الأرض لدى فلسطينيي الـ48، ما زالت على حالها، فكان التلاقي والتوافق والتنسيق بين فلسطينيي 48 وفلسطينيي القدس، وفلسطينيي الضفة الغربية، وفلسطينيي غزة، بأن يوم الأرض فلسطيني النسب، وأن الأرض هي مادة الصراع الأولى مع العدو الصهيوني.

لقد تعود الفلسطينيون على إحياء يوم الأرض من خلال مظاهرات ومسيرات واحتفالات وخطابات ومواجهات جماهيرية ذات طابع سلمي، قابلها العدو الإسرائيلي بالقتل والرصاص والموت، سنوات طويلة؛ لم يستمع العدو لصوت العقل، ولم يراجع الحسابات، ولم يصغِ العالم بالشكل الجيد للصوت الفلسطيني المطالب بحقه بالعيش فوق أرضه، فكانت النتيجة أن بدأ الفلسطيني يفتش عن أشكال جديدة للدفاع عن حقوقه المسلوبة، فجاءت عملية بئر السبع، وعملية الخضيرة من هذا المنطلق، منطلق الدفاع عن النفس، وانتزاع الحقوق، وهذا أول الغيث، في مرحلة جديدة من ارتفاع صوت الأرض الفلسطينية، التي تنشد حريتها، وترجو خلاصها، هذا الانتقال ليس موسمياً، ولا هو مقتصر على جغرافية محددة من فلسطين، الانتقال بيوم الأرض من المسيرات السلمية إلى المواجهات الميدانية والعمليات المسلحة هو البداية، والتي لن تحشر نفسها ضمن حدود ذكرى يوم الأرض، ولن تنحصر ضمن حدود فلسطين المغتصبة 48، فالعدوان الإسرائيلي الذي يتمدد في كل اتجاه، وصار عابراً للحدود، هو الذي يفرض على المقاومة الفلسطينية ألا تحشر نفسها ضمن حدود جغرافية، وأن تكون عابرة للحواجز التي اخترقها العدو نفسه بجيوشه ومستوطنيه.

يوم الأرض لهذا العام جاء عاجلاً، وجاء مبشراً، وهو ينطق باللغة نفسها التي يفهمها الأعداء، ويمارسها الصهاينة عملياً ضد الفلسطينيين ليل نهار، إنها لغة الموت والنار، لغة الموت والنار نفسها التي يمارسها الصهاينة، هي المحرض الحقيقي لكل فعل مقاوم، وهي السبب المباشر في تنامي كل أشكال المقاومة في كل أرجاء فلسطين.

ملحوظة: في آخر لقاء لي مع ضابط مخابرات إسرائيلي في معبر رفح سنة 2004، سألني:

ما الذي يدفع هؤلاء الشباب لتفجير أنفسهم وسط المدن الإسرائيلية؟

قلت له: عنجهية العدوان، وغطرسة الاحتلال، إن حجم الظلم والاحتقار الواقع على رأس الفلسطيني هو الدافع لهؤلاء الشباب لتفجير أنفسهم وسط تجمعات الصهاينة!