حمارة خالتي والمفاوض الفلسطيني

حين قرأت قصة "حمارة خالتي" خطر على بالي المفاوض الفلسطيني، الذي تاه في دهاليز اللقاءات والمناقشات ثلاثين عامًا، خسر خلالها المزيد من الأرض، والمزيد من الثقة بالمستقبل، دون أن يخسر المفاوض الإسرائيلي شيئًا.

"حمارة خالتي" قصة حقيقية ومسجلة رسميا في الأمم المتحدة، وقد حدثت في قرية "كفر كلّا" في الجنوب اللبناني.

تقول القصة:

في أحد الأيام من سنة 1962 وقبل أن يقيم العدو الإسرائيلي الأسيجة الفاصلة مع لبنان، تاهت حمارة خالتي، ودخلت فلسطين المحتلة، واختفت هناك، وعجزت خالتي وزوجها عن اللحاق بها، خوفًا من الرصاص الإسرائيلي، فقررا أن يتخليا عن الحمارة.

بعد عامٍ على اختفاء الحمارة، تفاجأت خالتي بعودة حمارتها إلى البيت، عادت الحمارة إلى مربطها، وهي تجر وراءها عربة محملة بالدراق والإجاص، وكان يتبعها عدد من أطفال القرية مهللين فرحين.

ولم تكتمل الفرحة بعودة الحمارة، فبعد ساعات، جاء الدرك اللبناني بصحبة المختار ورئيس البلدية مع قوات الطوارئ الدولية، وداهموا منزل خالتي، مطالبين بتسليم الحمارة للقوات الدولية، كي تعيدها إلى (إسرائيل)، فالحمارة حبلى بجحش، أبوه حمار إسرائيلي.

وبعد شد ورخي، وبعد اعتراض ورفض، ارتفع منسوب الغضب، وانضم إلى النقاش أهل القرية، وراحوا يصرخون بصوت جماعي، الحمارة حمارتنا، تاهت، ورجعت لنا.

وبعد ساعات من المفاوضات مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، وبوساطة دولية، اتفق الجميع على أن تعود الحمارة إلى دولة الكيان الصهيوني، لتلد هناك، شرط أن تعيد الأمم المتحدة الحمارة إلى خالتي بمفردها بعد الميلاد.

وبحضور الأمم المتحدة، تم توقيع اتفاقية تسمح بعودة الحمارة، شرط أن يبقى مولودها الجحش في دولة الكيان الصهيوني.

بعد ثلاثة أشهر، هربت الحمارة من (إسرائيل) مرة ثانية -دون تنسيق أمني- وعادت إلى قرية "كفر كلا" في الجنوب اللبناني، عادت الحمارة وهي تجر خلفها العربة نفسها، ويركض بجوارها هذه المرة مولودها الجحش الصغير.

ولم تمضِ ساعة، حتى حضرت إلى منزل خالتي قوات الدرك والبلدية والمختار والأمم المتحدة، وطالبوا خالتي بتطبيق بنود الاتفاقية الموقعة، وتسليم الجحش لقوات الأمم المتحدة.

وكانت المفاجأة أن رفض الجحش أن يترك أمه، وتشبث بالبقاء في لبنان، وماطل في تسليم نفسه لقوات الدرك اللبناني.

وعلى ضوء تهرب الجحش، تم استدعاء قوات درك إضافية، وتم تطويق المكان، وإلقاء القبض على الجحش، وربطه، وتحميله في شاحنة عسكرية إلى مركز المراقبة في الناقورة، ومن هناك، عاد الجحش الصغير مأسورًا، مكسور القلب، باكي العين، مُشتت الشمل إلى الكيان الصهيوني.

حمارة خالتي تكشف حقيقة المفاوض الإسرائيلي، إنه صلبٌ وعنيدٌ وطويل البال إلى الحد الذي رفض أن يفرط بجحش أبوه حمار إسرائيلي، وأمه حماره لبنانية، فكيف سيتنازل هذا المفاوض الإسرائيلي للمفاوض الفلسطيني عن القدس وعن الضفة الغربية وعن سماء فلسطين وعن المسجد الأقصى، الذي يزعم أنه جبل الهيكل؟

كيف سيتخلى هذا المفاوض الإسرائيلي الذي لم يفرط بجحشٍ صغيرٍ، كيف سيتخلى عن 60% من أرض الضفة الغربية، تقام عليها عشرات آلاف البيوت، التي تضم مئات آلاف المستوطنين المتطرفين؟

ملحوظة: هذه القصة حقيقية، وهي موثقة في سجلات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان.. تموز سنة 1962.