المجنون الذي رمى الحجر

يقول المثل "مجنون يرمي حجر في بئر مليون عاقل لا يستطيع إخراجه"، وهذا ما حدث ويحدث معنا في حركتنا الرياضية، ومن قبلها حياتنا السياسية والحزبية والاقتصادية.

ففي السياسة هناك من ألغى بجرة قلم، انتخابات وقطع رواتب وأقصى كوادر وشخصيات وفرض سيطرته على كلّ مفاصل الحياة، دون أن يستطيع 13 مليون فلسطيني حتى الآن من إنقاذ الشعب من هذه الكارثة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، هناك من قام بالتوقيع على اتفاق باريس الاقتصادي الذي أغرق الشعب الفلسطيني في بحرٍ هائجٍ دون أن ينجح 13 مليون فلسطيني من إنقاذ نفسه من تيّاره الجارف، ودون أن يسحبه بعيدًا عن تيار اقتصاد الاحتلال.

أمّا على صعيد الرياضة، فحدّث ولا حرج، فهناك من باع غزة وتركها تُقاتل وحدها مُهمّشًا إيّاها من كلّ محطات التطوير والدعم والتدريب والتأهيل، فأبقى مليوني فلسطيني في غزة يدورون في حلقةٍ مُفرَغةٍ دون أن يتمكّن أحدٌ منهم من فكّ قيودنا وإخراجنا من حيّز التّهميش والتصنيف كمواطنٍ وكرياضيٍّ من الدرجة الثانية، إلّا من رحم ربّي أمثال الأخ عبد السلام هنية الذي نجح في كسر هذا التهميش من خلال حشد الدّعم لمشروع إعادة تأهيل (7) ملاعبَ في غزة كانت عبارة عن (خرابة) قبل تطويرها، ناهيك عن بعض الدعم المُقدّم للاتحاد والأندية، في ظلّ وجود شريحةِ السحّيجة التي تُمعن في إذلالِ نفسها بمساندة من يقتل ويخنق غزة، في وقت لا يُشيرون إلى ما قدّمه هنية.

فوق كلّ هذه الكوارث الخارجية، هناك من يأبى إلّا أن يزيد الطين بلّة ويذهب باتّجاه التعبير عن حبّه وعشقه لفريقِه بطريقة لا تتناسب وطبيعة الملاعب ولا طبيعة الرياضة، فأخذت دائرة الاستخدام السيّئ للمُفرقعات، والتي جعلتنا بشكلٍ غير منطقيٍّ ندور في حلقةٍ مُغلقة للبحث عن حلولٍ لهذه الظاهرة دونَ جدوى منذ الجولة الأولى للدوري.

وعلى الرغم من أنّ هناك حلولًا كثيرة للخروج من هذه الأزمة، وللقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة، إلّا أنه من المفترض أن لا يكون من بينها حرمان الجماهير من دخول الملاعب، فلا يجوز استخدام العقاب الجماعي، لأنّ القانون الدولي أصلًا يُحرّمه.

فالجماهير صاحبة حقٍّ في الاستمتاع والتشجيع في كلّ زمانٍ ومكانٍ مع وضعِ الضوابط الكفيلة في حمايتهم وفي رعايتهم وتوفير كلّ سُبل الراحة لهم في الملاعب وخارجها، حيث أنه يتوجب التعامل مع الخطأ من خلال مُجابهة مرتكبه وليس أحدًا آخر، فالأصل في الأمر المعاملة الحسنة، والمخالفون معروفون وعلينا توعيتهم، وإن استمرّوا ورفضوا النصيحة يتمّ اللجوءُ إلى وسائلَ تدريجية للحدّ من تأثيرهم، من خلال منعهم من دخول الملاعب بشكلٍ فرديٍّ وليس بشكلٍ جماعي.

إنّ الحدّ من هذه الظاهرة بل إنهائها، مسؤولية مشتركة بين المواطن نفسه وبين جهاز الشرطة والاتحادات الرياضية والأندية والإعلام، ولكنّ الأهم من كلّ ذلك، هو وجود لوائحَ وقانون واضح وصريح يتمّ تطبيقه على الكبيرِ قبل الصغيرِ بما يُحقّق العدل، وهذا يعفينا من البحث عن حلولِ لأزمات هنا وهناك.

الاتحاد الدولي لكرة القدم يحكم العالم بلوائحَ وقوانين قد تكون صارمةً في كثيرٍ من الأحوالِ والأزمات، ولكنها قوانين ولوائح غير قابلة للنقاش، وهذا سرٌّ من أسرارِ قيام "فيفا" بإحكام قبضته على كرة القدم في 211 دولة في العالم، دون أن تتمكن جيوش هذه الدول من تغيير الواقع أو فرضِ واقعٍ متمرّد.

فالقانون واللوائح هي النّاظم الحقيقي والقوي لأيّ بطولة في العالم، وقوة هذه القوانين واللوائح تُستَمدّ من قوة شخصية الاتحادات الدولية والقارية والوطنية، وقوة هذه الاتحادات تُستمد أيضًا من سلامة اللوائح وعدالتها حتى وإن كانت قاسية، وبالتالي فقوة القانون نابعة من تطبيقه على الجميع دون استثناء، وقوة الاتحادات تكمُن في العدل والمساواة بين جميع الأعضاء بغضّ النظر إن كانوا أقوياء أو ضعفاء.

فإن تمّ اللجوء إلى القوانين واللوائح في حلّ الأزمات، فإنها تجبّ الحيرة والحرج عن مُنفذّيها ومُشرّعيها، بحيث لا يستطيع أحد أن يرفض تطبيقها أو اختيار ما يناسبه منها وترك والاعتراض على ما لا يُناسب مصالحه الشخصية.

أخيرًا، وعلى الرّغم من أنني أكثر من يُساند حُكام كرة القدم في فلسطين، وما سبّبه هذا الدعم من ضغوطات جماهيرية، إلا أنّني سأستمرّ في دعمهم، مع تأكيدي لرفض التكريم الذي أُقيم في بلدية خانيونس، كونه لم يكن له أيّ داعٍ، وما نتج عنه من أمور أساءت لنادي الشاطئ، وهو ما يتطلّب الاعتذار على أقلّ تقدير.