من أمن العقاب أساء الأدب

إن ما حدث يوم أمس في مدينة رفح من اشتباك بين جماهير ناديي شباب وخدمات رفح أثناء وعقب انتهاء مباراة فريقي خدمات رفح والصداقة في بطولة الدوري، أمر يدعوا إلى الوقوف بحزم أمام كل من يُحاول تأجيج الشارع الرياضي وتعزيز حالة الفرقة بين أبناء الشعب الواحد والمدينة الواحدة.

إن ما حدث أكبر بكثير من أن يتم القفز عنه من باب طي الصفحة وعدم السماح بتضخيم الأمور، ولكن حجم وضخامة ما حدث فرض علينا أن نقف وبقوة أمام ظاهرة تأخذ في الانتشار بشكل أكبر من أي وقت مضى بسبب كرة القدم.

قبل 10 سنوات أَطلَقت على مدينة رفح لقب "عاصمة كرة القدم الفلسطينية"، ولم يأتي هذا اللقب مجاملة بقدر ما تستحقه عن جدارة واستحقاق، كيف لا وهي المدينة التي تضم أكبر عدد من ألقاب البطولات الرسمية لكرة الفلسطينية مقارنة مع بقية مدن وقرى ومخيمات فلسطين.

مدينة رفح التي حصلت على (30) لقباً لبطولة من البطولات الرسمية البالغ عددها (49) بطولة منذ عام 1980 وحتى الآن، وهذا ما يُسجل بأحرف من ذهب في تاريخ هذه المدينة الباسلة التي قدمت القادة والشهداء والأسرى، وتقف في مُقدمة مُدن المُقاومة الباسلة، هذه المدينة أكبر بكثير من أن تقوم فئة قليلة من جماهير نادييها الكبيرين بافتعال الفتن والمشاكل، وحرياً بهما أن يكونا على قدر من المسؤولية من أجل فضح هذه الممارسات التي لا تمت لشعبنا بأي صِلة ورفع الغطاء عن هذه الفئة وتسليم كشف بأسمائهم لجهاز الشرطة من أجل أخذ المقتضى القانوني بحقهم.

إن السكون خلال السنوات الماضية عن هذه الفئة أدى إلى تماديها، حتى باتت في دائرة تحيطها علامات استفهام كبيرة.

لق صدق الشاعر عندما قال " خَلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التُّقَى 00 وكُنْ كماشي فوْقَ أرض الشوك يحذر ما يرى 00 لاتحْقِرَنَّ صغيرة إنَّ الجبال من الحصى".

فمنذ سنوات ونحن نُحذر من التهاون مع ما يحدث من مشاحنات بين جماهير ناديي شباب وخدمات رفح، وطالما حذرنا من السكوت عن قِلة قليلة من جماهير الناديين الكبيرين الذين يؤججون الشارع ويجرونه إلى حد تبادل السب والشتم وقذف المحصنات، والتشكيك في الوطنية، حيث وصلنا إلى مرحلة أصبحت فيها هذه الأمور ظاهرة تتوغل في شارعنا الكروي.

طالما قلنا وحذرنا أن السكوت عن فئة قليلة من جمهور الناديين يدفعهم للتمادي في الخطأ، والتمادي في توسيع الفجوة بين الجمهورين الكبيرين، والتمادي في تعزيز الفرق بين أبناء المدينة الواحدة والمخيم الواحد 

ولكن مع الأسف أن البعض من المسؤولين سواء في الناديين أو الهيئات الرسمية والأهلية كانوا يضعون رؤوسهم في التراب كالنعام، دون أن يفعلوا شيئاً ودون أن يقفوا عند مسؤولياتهم، وهو ما أعطى المجال لفئة من الجماهير أن تأخذ على عاتقها التحكم بمصير الناديين والشارع الرياضي في رفح.

ما حدث أمس في ملعب رفح وخارجه من اشتباك بين جماهير ناديي شباب وخدمات رفح، أمر مرفوض شكلاً ومضموناً، على المستويين المجتمعي والأخلاقي، فلا رياضتنا موجودة ومستمرة لهذا الغرض، ولا مُجتمعنا المحافظ يسمح بسماع ألفاظ ومصطلحات خارجة عن النص والدين والأخلاق.

أستوعب وجود حالة من التوتر بين ناديين كبيرين يتمتعان بقاعدة جماهيرية كبيرة، وهو ما يحدث في جميع دول العالم، قياساً مع حالة التنافس على الألقاب، ولكن في نفس الوقت أن لا يتجاوز هذا التوتر بعض التصريحات هنا أو هناك على مواقع التواصل الاجتماعي، وإن كنت أرفض في الأصل أن يكون هناك توتر أو احتقان بين ناديين.

لقد كانت هناك الكثير من محاولات رأب الصدع وتضييق الفجوة بين الناديين وجماهيرهما، من خلال اجتماعات تدعو لها بلدية رفح وجهات أخرى، ويتم خلالها سماع كلام طيب وإيجابي، ولكن ومع أول ثغرة ينفلت البعض ونعود إلى نقطة الصفر.

لقد سئمنا نقطة الصفر، وعلينا ان نرى تحركات حاسمة من الجهات المعنية، سواء جهاز الشرطة او إدارات الأندية، لأن من أمن العقاب أساء الأدب، وسنبقى نعاني وأتمنى أن لا نصل إلى مرحلة الندم إذا ما حدث كروه لأحد لا سمح الله، وبالتالي يجب أن يشعر الخارجون عن النص بأنهم سيدفعون الثمن حتى يتوقفوا عن تلغيم الشارع الملغوم أصلاً.