خيط الهوية في مخيمات لبنان.. ارتباط بالوطن وسبيل للعيش

...
صورة أرشيفية
بيروت – غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

نقلت النساء المهجرات من فلسطين المحتلة عام 1948م فن "التطريز" لمن لحق بهن من الأجيال في مخيمات الشتات في لبنان، ومن جيلٍ إلى جيلٍ لا يزال هذا الفن يلقى اهتمامًا واسعًا من الفلسطينيات، ليس أسلوبًا نضاليًّا يحفظ هويتهن الوطنية فحسب، بل أيضًا مصدرًا للدخل مع "شح فرص العمل" للاجئين في لبنان، ما ساهم في نقل هذا الفن وتعريفه لكثيرٍ من دول العالم.

الفلسطينية صبحية كريم، المهاجرة من قرية صفورية قضاء الناصرة المحتلة، وتقيم حاليًّا في مخيم عين الحلوة؛ تعلمت التطريز الفلسطيني في سن مبكرة حين كانت في السادسة عشرة من عمرها، تقول كريم (65 عامًا): "كان عدد من جاراتي يجلبنَ قطعًا يُطرزنها لمصلحة إحدى المؤسسات الأهلية بالمخيم لقاء عائد مادي، فطلبتُ منهن أن يحضرن لي بعض القطع لأطرزها".

القطع التي أنجزتها كريم حازت إعجاب مديرة المؤسسة لإتقانها وترتيبها فأصبحت تحضر لها القطع إلى المنزل لكي تنجزها، إذ كانت متزوجة ولديها عدد من الأطفال ولا تستطيع الذهاب إلى المؤسسة.

استمرت كريم بالتطريز حتى نالت لقب "سفيرة التراث" عام 2017، مخصصة له جزءًا كبيرًا من وقتها يوميًّا، وقد ألمّت بأصل حكاية كل "قطبة" منه.

وتلفت النظر إلى أن هذه الحرفة ساعدتها على إعانة أسرتها اقتصاديًّا وتحقيق حالة من الاستقرار المعيشي النسبي لأبنائها، لكن ما تحصل عليه يعد أجرًا زهيدًا مقارنة بالجهد المبذول.

وتؤكد كريم القيم التربوية التي تعلمتها مذ وضعت الخيط والإبرة بين أصابعها كالصّبر والتركيز وملء الفراغ بأمور مفيدة.

تحديث التطريز

وفي مخيم عين الحلوة أيضًا تمتهن اللاجئة الفلسطينية فاتن ميعاري المهجرة من مدينة الجليل المحتلة التطريز الفلسطيني، إذ فتحت أعينها على الدنيا لتجد أمها وشقيقتها الكبرى تقضيان جل وقتهما في حياكة القطع المطرزة الجميلة التي تعكس تراث شعبهم المهجر.

عشقت ميعاري (55 عامًا) هذا الفن الجميل وأتقنته سريعًا، ما أهلها للعمل لدى بعض المؤسسات لقاء أجرٍ مالي، ثم الوصول لمرحلة تدريب فتيات أخريات، إلى أنْ قررت الاستقلال بعملها بإنشاء معرض أسمته "تطريز ديزاين".

تقول: "دربتُ الكثير من النساء والفتيات من مخيمات نهر البارد والبرج الشمالي والبداوي للاجئين الفلسطينيين، ولما كانت الأوضاع المادية في لبنان عامة صعبة جدًّا، والقطع المطرزة يدويًّا ثمنها مرتفع نسبيًّا؛ فإننا نسوقها في الخارج لمن يستطيعون اشتراءها".

وفي حين حاز تطريز معياري اهتمام مصممي أزياء من جنسيات مختلفة، يأتون بتصميماتهم لتطرز عليها يدويًّا؛ يواجه التطريز اليدوي منافسة شديدة من نظيره المستورد الذي يعتمد على الماكينات.

وعما يميز التطريز اليدوي من ذاك الذي تنتجه آلات الحياكة توضح أن الأول أكثر دقة وجمالًا، وخيوطه أكثر متانة لا تنقطع أو تهترئ وتبقى ألوانها ثابتة بعد الغسل، بعكس المستورد.

وتعمل ميعاري حاليًّا على مشروع تطريز تضاريس فلسطين المختلفة على "طقم كراسي"، بجانب تطريز لوحات تعبر عن مشاهد تاريخية فلسطينية، كتطريز "قصة سور عكا" مع مؤسسة أردنية، وتشير إلى أن النساء اللاتي يمتهن التطريز يشبعن هوايتهن وحبهن لتراثهن، وفي الوقت ذاته يتخذنه مصدر دخل مع انعدام فرص العمل أمام اللاجئات الفلسطينيات اللاتي يُمنعن من العمل خارج المخيمات اللبنانية.

ارتباط بالوطن

وفي مخيم نهر البارد شمال لبنان تجتمع ندى الشهابي، المهجرة من قرية عرب الزبيد قضاء صفد، وعدد من النسوة في أحد بيوت المخيم بعد صلاة العصر، لحياكة وتطريز الملابس لعائلاتهن.

الشهابي أنهت دراستها الجامعية في مجال التجارة وعملت فيه بعضًا من الوقت، لكن شغفها بالتطريز دفعها لترك مجال تخصصها، والتوجه نحو الانغماس في فن التطريز، بإنشاء معرض "تراثيات الندى" الذي تُدرب وتشغل فيه عددًا من النساء.

تقول: "النساء هنا يعملن في التطريز ترجمة لارتباطهن بوطنهن فلسطين وحنينهن المتنامي له، وهو في الوقت ذاته مصدر دخل للفتيات للإيفاء برسوم دراستهن الجامعية، وللمتزوجات لإعانة أزواجهن على الأوضاع المعيشية البالغة الصعوبة في لبنان".

وتبين الشهابي أن الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها لبنان أثرت سلبًا في مهنة التطريز، "ففي السابق كان يمكن أن يدر على السيدة في المشغل دخلًا شهريًّا أقصاه 50 دولارًا، أما اليوم فلا تكاد تحصل على عشرة دولارات".

وتلفت النظر إلى ارتفاع أسعار المواد الخام قياسيًّا، فـ"الطُبة" (كرة الخيوط) كان ثمنها قبيل خمس سنوات تقريبًا دولارين ونصف دولار (كانت تساوي حينها 3000 ليرة)، أما اليوم فالمبلغ نفسه يساوي 75 ألف ليرة لبنانية.

وتشير الشهابي إلى أن تكلفة الثوب تُقدر حسب مساحة التطريز فيه، فتراوح من (100 إلى 1000 دولار)، وهو مبلغ لا يستطيع غالبية اللبنانيين دفعه حاليًّا، مضيفة: "فلا نحصل على مردود مالي إلا إذا اشترى القطعة أناس في الخارج، فالمئة دولار تساوي حاليًّا 3 ملايين ليرة لبنانية".