تقرير الطريق إلى مدارس "اللبن الشرقية" ثكنة عسكرية.. والطلبة دروع بشرية

...
نابلس–غزة / فاطمة الزهراء العويني:

الذهاب والعودة للمدرسة بات أمراً يحمل همه طلبة مدارس "اللبن الشرقية" وذووهم؛ خشية أن يكون ذهاباً بلا عودة بسبب اعتداءات المستوطنين اليومية عليهم، فكل صباحٍ يحسب الطلبة ألف حساب لـ"مشوارهم" للمدرسة، بعد أن أصبحت الانتهاكات ديدناً للمستوطنين المجاورين لمدارس القرية، ويتعرض الطلبة لمختلف أنواع الاعتداءات من قبل المستوطنين وجيش الاحتلال.

فالعودة للدراسة بالنسبة لعائلة الطالب زيد دراغمة (في الصف الثامن الإعدادي) أصبحت هاجساً لم يشعروا به من قبل مع أشقائه الأكبر، فرغم أن مضايقات الاحتلال والمستوطنين لطلبة مدارس اللبن الشرقية موجودة منذ تاريخ الاحتلال للمنطقة لكنها لم تشهد شراسة كما هي عليه الآن من قبل.

تقول السيدة إيمان دراغمة "والدة زيد": "لم أعانِ مع أشقائه مثلما أعاني مع زيد حالياً، فقد كاد يفقد عينه في الفصل الدراسي الفائت بعد إصابته بشظايا رصاصة مطاطية، "كل يوم يفتح فيه زيد عينيه صباحاً، يخبرني بأنه غير مصدق بأنه لم يفقد عينه للأبد".

ومع العودة للدراسة في الفصل الدراسي الثاني لهذا العام، تعود العائلة للاستنفار كل يوم منذ لحظة خروج زيد للمدرسة وحتى عودته بسلام للمنزل، "فالطريق بين المنزل والمدرسة تقارب الكيلومترين يتعرض خلالها أبناؤنا لمضايقات المستوطنين وجنود الاحتلال واعتداءاتهم اللفظية والجسدية".

وتلفت إلى أن قوات الاحتلال تستفز الطلبة لكي تعتدي عليهم، "وحتى مدرسة البنات التي أعمل مدرسةً فيها نتعرض خلال الدوام فيها لاعتداءات شبه يومية، منذ أربع سنوات خلت ومدارس اللبن الشرقية تشهد هجوماً شرساً عليها من قبل الاحتلال".

وتبين أن الطريق للمدارس يومياً يحولها الاحتلال لـ"ثكنة عسكرية"، "فتجدهم منتشرين على الطرق والجبل المشرف على المدارس، يرصدون أي حركة ولا يتورعون عن الاعتداء على الطلبة والمدرسين".

دروع بشرية

فيما يبين مدير مدرسة الساوية – اللبن الثانوية المختلطة، ياسر الغازي، أن معاناة طلبة المدارس في اللبن تتزايد للسنة الرابعة على التوالي، "لكن الوتيرة تضاعفت لهذا العام، حيث تشهد المدارس اعتداءات يومية، ولا يوجد مجال أن يمر أي يوم دون اعتداء، فهم يعتقلون ويفتشون ويعتدون بالضرب على الطواقم التدريسية والطلبة".

وحتى الغازي نفسه ونائبه تعرضا للضرب مطلع العام الدراسي الحالي في إثر محاولتهما منع الاحتلال الإسرائيلي اعتقال أحد الطلبة، بتهمة "الضحك" عند رؤيته جنديًّا إسرائيليًّا في طريقه للمدرسة.

وتُضطر إدارة المدرسة للوقوف دروعًا بشرية حول الطلاب على مسافة تزيد على الكيلومتر كل يوم ذهاباً وإياباً في حر الصيف وبرد الشتاء لحماية الطلاب من جنود الاحتلال واستفزازات المستوطنين.

ويشير الغازي إلى أن الفصل الدراسي الأول لهذا العام شهد تعطلاً للدراسة لعدة أيام بسبب اعتداءات المستوطنين وإغلاقهم للمدارس، في حين يعتدون يومياً لفظيا وجسدياً على الطلبة في أثناء ذهابهم وإيابهم من المدرسة.

وقال: "المدرسة تخدم ثلاث قرى، هي: الساوية واللبن الشرقية وعمورية، ويعتدي المستوطنون وجيش الاحتلال على الطلبة وطواقم التدريس بالرصاص الحي والمطاطي".

وإذ يبين أن المستوطنين على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي يفتخرون بتعطيلهم الدراسة في مدارس اللبن الشرقية، وهم يطلقون على مدارسنا أسماء يهودية "بروكلين الثانوية" فهدفهم من تلك الاعتداءات مصادرتها والاستيلاء عليها.

"وتزداد معاناتنا في فصل الشتاء حيث يحتجزون الطلبة والمدرسين في أجواء طقس صعبة، ويمنعونهم من دخول المدارس، وأي حدث إطلاق حجارة يحدث مساءً يلصقونه بالطلبة ونجدهم مستنفرين في الصباح".

هذه المخاوف جعلت المجلس القروي في "اللبن الشرقية" يتجند صباحاً لتشكيل دروع بشرية لحماية "طلبة المدارس" من المستوطنين، فقبيل موعد ذهابهم للمدارس يستيقظ رئيس المجلس يعقوب عويس ليرافق طلبة وطالبات القرية لمدارسهم، ويبقى يمعن النظر في الساعة انتظاراً لموعد إيابهم ليكون أول من يصل للمنطقة ليحميهم من المستوطنين.

وفي أثناء حديث عويس لـ"فلسطين" اعتدى المستوطنون على أحد الطلبة محاولين اعتقاله ولكن بتكاتف المعلمين والمجلس القروي استطاعوا تخليصه من بين أيديهم.

فالصمود هو ما يحمي مدارس القرية التاريخية من الاستيطان، كما يبين عويس، الذي يشير إلى أن مدارس القرية تقع على الخط الرابط بين رام الله ونابلس، وهما مدرستان "مدرسة اللبن والساوية المختلطة" بنيت عام 1944م، ومدرسة بنات اللبن الثانوية عام 1947م.

فالمدارس بُنيت قبل الاحتلال الإسرائيلي لأراضينا، وهي على مساحة 35 دونمًا، ويفصل بين المدرستيْن 400 دونم، "شيلو" و"عيليه" و"معاليه ليبونا" و"ارئيل"، ولكون القرية هي الأكثر مساحة بين قرى نابلس، فإن الاحتلال يستهدفها بالاستيطان ومحاولات التهجير.

ولفت إلى أن اعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال على طلاب المدارس قديمة جديدة، لكنها تزايدت بشكل ملحوظ في هذا العام، فحكومة الاحتلال تدعم جيش المستوطنين المدجج بالسلاح.

وتتنوع الاعتداءات بين اقتحامات للمدارس وإحراق للممتلكات وتهديدات المستوطنين بمصادرتها، حيث يعتبرونها في صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي "يهودية"، ويتعرض الطلبة للاعتقال والإصابة والاحتجاز كما يهاجمون المدرسين ويكسرون بوابات المدارس، أو يغلقونها بـ"اللحام".

فطلبة القرية يدرسون في جو من الخوف والرعب الذي يدمر نفسيتهم، فكل يومٍ يحملون "هم" الذهاب للمدرسة والإياب منها، وفي البيوت يكون الأهالي على أعصابهم يخافون من ألا يعود أبناؤهم بسلام، وفق عويس.

ومنذ بداية العام سُجل أكثر من سبعين اعتداءً على طلاب المدارس، "فأصيب طلاب بإصابات خطِرة في أنحاء متفرقة من الجسم أو فرض غرامات واحتجاز، ما عطل الدراسة أكثر من ثلث الفصل الدراسي الأول".