تقرير طقطقة القباقيب تختفي بصمت و"خضير" آخر صناعها

...
وليد خضير
نابلس-غزة/ هدى الدلو:

على الرغم من قلة الإقبال عليها، يصنع السبعيني وليد خضير بضعة أزواج من القباقيب الخشبية لتبقى حاضرة أمام أعين زائري البلدة القديمة في مدينة نابلس، حيث تقع منجرته.

ورث خضير هذه الصناعة التي تشارف على الاندثار أبًا عن جد، كما يقول، وقد أمضى من عمره 60 عامًا في تطويع الأخشاب.

منذ أن كان عمره خمسة عشر عامًا لزم خضير والده في المنجرة لتعلم أساسيات الصنعة وأصولها، فبعد أحداث النكبة ترك والده مدينة اللد المحتلة قسرًا حاملًا معه صناعة القباقيب الخشبية النادرة، ليحفظ اسم المنجرة "منجرة اللدواي" منشأ عائلة خضير، فغدت علامة تجارية تعرف بها.

ويشير خضير إلى أن المنجرة لم يقتصر عملها على صناعة القباقيب فحسب بل أيضًا قوالب المعمول الخشبية وكراسي القش، والعصي الخشبية.

يقول: "تشربت الصنعة عن والدي وعمي الذي عمل معنا قرابة 40 عامًا (...) اكتشفت نفسي منذ الصغر بهذا العمل، فتمسكت بها ونقلت التجربة إلى أحد أبنائي ليرثها من بعدي ويحافظ عليها".

ويصف خضير أعمال صناعة القباقيب الخشبية بأنها "صناعة وطنية بامتياز، فقد بذل الأجداد جهدًا مميزًا في صناعتها، وإعداد هيكلها، وهي جزء لا يتجزأ من التراث العربي الأصيل".

ويُعد خضير آخر صانع للقباقيب الخشبية وكراسي القش في فلسطين، معتمدًا في صناعتها على أخشاب الصنوبر التي أشجارها على سفوح جبال نابلس.

وتعد أخشاب الصنوبر من الأخشاب المقاومة لامتصاص المياه لاحتوائها على مادة صمغية فلا تتشقق، في حين يصدر خشبها في أثناء المشي أصوات طقطقة تشبه الزجاج، كما يصف خضير.

ويلفت إلى أن حصوله على أخشاب طبيعية يتطلب النزول إلى أحراش المدينة لشرائها بمبلغ يزيد على عشرة أضعاف عن الثمن الذي كان يدفعه سابقًا، وبعد أن كان يحصل عليها بنفسه، إذ تمنعه سلطات الاحتلال من قطع أي جذع من أشجار الصنوبر.

ويوضح أن هناك الكثير من التغيرات التي طرأت على الصنعة، ففي سنوات خلت كان يصنع طلبيات لحمامات المساجد في الضفة والأردن أيضًا والبيوت الفلسطينية كذلك، "في كل بيت كان يوجد به على الأقل 7 أزواج من القباقيب، ولكن اليوم الإقبال ضعيف جدًّا".

زينة وتراث

ويستذكر خضير سنوات الستينيات من القرن الماضي كإحدى الفترات الذهبية التي راج فيها الطلب على القباقيب الخشبية التي كانت تحضر بشكل لافت في المسلسلات السورية.

آنذاك اشتهر "قبقاب غوار الطوشة" في مسلسلي "صح النوم" و"حمام الهنا" للفنان السوري دريد لحام، فعمل خضير ووالده وإخوته بشكل كبير على صناعة القباقيب، حتى لُقّب والده وقتها "بالقباقيبي"، حين كان الفلسطينيون يطلبونه بكثرة حبًا وتقليدًا لأبطال المسلسلين.

وتبدأ صناعة القبقاب بحسب خضير، "بتقطيع خشب الصنوبر بشكل مائل، ثم برسم طبعة القدم حسب المقاس المطلوب، وبعدها، تبدأ مرحلة إزالة الزوائد الخارجة على الجانبين، وهذه العملية تُسمى التفكيك، فننتقل إلى عملية اللف التي تزيل الزوائد الأمامية والخلفية من جهتَيْ الأصابع وكعب القدم. تُجهّز القطعة الخشبية بعد ذلك للتقديد، وهي تشكيل كعب القبقاب، ومن ثم يأتي دور التنعيم، أي حف القبقاب قبل طلائه. وأخيرًا يُركَّب الجلد على القبقاب ليصبح جاهزًا". 

ويلبي صانع القباقيب الوحيد رغبة الزبائن بتلوين وتزيين قطع الجلد أو الخشب، بحسب الزبون، مشيرًا إلى أن سعر الزوج يبلغ 50 شيقلًا.

يواصل خضير بأن الطلب على القباقيب غالبًا لأغراض الزينة، خصوصًا لدى السياح العرب والأجانب الذين يشترونها مني كمنظر فقط، ويشتريها الفلسطيني كأحد القطع التراثية.

ويعتقد أن القباقيب المصنعة من الخشب "صحية جدًا" للقدمين، فهي لا تتأثر بالحرارة أو الرطوبة ولا تسبب تشققات جلدية في القدمين، وأكثر زبائن القباقيب هن من النساء، السيدات وربات البيوت وطالبات الجامعة، اللواتي يعتبرن القبقاب مريحًا في المنزل".