تقرير منى ومحمد الكرد.. التوأمان اللذان أرعبا الدولة النووية

...
المقدسي نبيل الكرد (أرشيف)
القدس المحتلة/ عبد الرحمن يونس:

لا تزال كلمة "تخافوش" التي نطقت بها المقدسية منى الكرد ترن في مسامع الشعب الفلسطيني بأكمله عندما قالتها لطمأنة أهلها خلال محاولة قوات الاحتلال اعتقالها من منزلها في يونيو/ حزيران من العام الماضي، فهذه الكلمة ترجمتها منى وشقيقها التوأم وأهالي الشيخ جراح فعلًا على أرض الواقع، ووهبوا أنفسهم لخدمة القدس والقضية الفلسطينية.

فمنى ومحمد وأبوهما نبيل الكرد إلى جانب ثلة من أهالي الشيخ جراح أبرزهم: أبو العلا سكافي صاحب مقولة "العهد هو العهد ولن نفرّط بشبر واحد من أرضنا"، وسامي ارشيد محامي العائلات لدى محاكم الاحتلال، وعارف حماد الشاهد على تاريخ حي الشيخ جراح، والشقيقتان أصالة واليسار القاسم، باتوا أيقونات تُعرف بهم قضية الشيخ جراح.

وفي هذه السطور سنسلط الضوء على التوأمين محمد ومنى الكرد اللذين أرعبا دولة الاحتلال النووية وهزّا أركانها بكاميرتهما وبصوتهما، إضافة إلى عارف حماد الشاهد الحي على القضية، فمن هما ابنَي الكرد، وكيف سطع نجمهما، وكيف أوصلا قضية الشيخ جراح إلى أصقاع المعمورة؟

ولد التوأمان في ذكرى يوم النكبة الفلسطينية في الخامس عشر من شهر أيار/ مايو لعام 1998، وترعرعا في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، وكبرا على وقع اعتداءات المستوطنين، ومنذ أن كانا في الثانية عشرة من عمرهما، بدأ الشقيقان بتوثيق محاولات المستوطنين الاستيلاء على منازل في الشيخ جراح؛ أي منذ بداية الأزمة الحديثة للحي.

تقول منى إنها وشقيقها رفعا لواء التحدي منذ نعومة أظفارهما، وأخذا على عاتقيهما حمل قضية الشيخ جراح، فقد وعيا على سرقة المستوطنين نصف بيتهما واستيلائهم على منازل جيرانهم، وبقيا خلف الكواليس حتى انتشر ذاك الفيديو الذي غيّر معالم القضية وتصدر الإعلام العربي والعالمي.

وظهرت منى في مقطع الفيديو محاوِرة للمستوطن يعقوب الذي اعترف بسرقة بيت عائلتها، ورد عليها بكل سذاجة بأنه إذا لم يسرقه فسيسرقه أحد آخر. استثمرت الشابة المقدسية دراستها الصحافة وإتقانها اللغة الإنجليزية في خدمة القضية، فحوّلت حسابها على موقع التواصل الاجتماعي انستغرام -الذي يتابعه حاليًا أكثر من 1.6 مليون شخص- إلى جبهة نضال ضد الاحتلال الإسرائيلي.

نشاطها على مواقع التواصل الاجتماعي هي وشقيقها، وإدارتهما حملةً إلكترونية لتحشيد الدعم لقضية حي الشيخ جراح حولهما إلى أيقونة حية، ساهم في ثبات أهالي الحي أمام الاحتلال الإسرائيلي، ونجحت في نقل معاناة الحي بجرأتها إلى العالم، فقد شكلت وحدها قناة إعلامية تتحدث بلسان شعبها، حتى عرف قصتهم كل العالم، خاصة بعد خوض المقاومة في غزة حربًا نصرة للقدس وقضيتها.

وعن التفاعل الكبير الذي حظيت به حملتها على وسائل التواصل وأبرز شخصيتها للعالم، توضح منى: "جاءت فكرة حملة أنقذوا حي الشيخ جراح بعفوية، فبعدما طرقنا، نحن سكان الحي، جميع الأبواب الحكومية والحقوقية والدولية، ولم نلقَ أي رد إيجابي.. ارتأينا -بصفتنا شبابًا نعيش عصر شبكات التواصل الاجتماعي- التوجه نحو حملة إعلامية إلكترونية، على أمل أن تلقى الصدى المطلوب، وأن يعرف الناس، على الأقل، ما يحدث في هذا الحي المقدسي".

وتكمل: "كانت شبكات التواصل الاجتماعي بصيص الأمل الوحيد المتبقي لنا، دفاعاً عن هذه القضية العادلة، مشيرة إلى أن الحملة حققت أكثر ما هو متوقع منها بكثير، فلم نتوقع أن ملايين الناس حول العالم باتوا، خلال فترة قياسية، يؤمنون بهذه القضية وأنها تمسهم شخصيًا.

هذا النشاط الإعلامي أزعج الاحتلال وأرعبه، فحاول كتم صوتيهما واعتقلهما في شهر يونيو، بتهمة "القيام بأعمال تخل بالنظام والسلم وأعمال مثيرة للشغب"، قبل أن تفرج عنهما، في ظل تضامن واسع معهما داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وخارجها.

جاء الاعتقال بعد تعرُّض منى للعنصرية وطردها من جلسة لمجلس حقوق الإنسان التابع للجمعية الأممية عبر برنامج زوم عقب اعتراضها على كلمة المندوبة الإسرائيلية، في إشارة واضحة لحجم التأثير الذي لعبته "صحافة المواطن" في توضيح حقيقة الأحداث لملايين المتابعين.

وفي حفل تخرجها من كلية الصحافة في جامعة بير زيت، قدمت نصيحة جوهرية قائلة: "لا تسكتوا عن الظلم وقمع الحريات والاعتقالات السياسية ووثقوها وانشروها"، متمنية أن تلغى قرارات التهجير القسري بحق أهالي حي الشيخ جراح.

محمد التوأم الثاني

أما أخوها محمد الكاتب والشاعر الفلسطيني، فكان يُحضِّر الماجستير في الولايات المتحدة قبل أن يعود إلى الشيخ جراح للاحتجاج على عمليات الإخلاء القسري لسكانها، وكان يكتب شعره ومقالاته باللغة الإنجليزية وعن موضوعات نزع الملكية والتطهير العرقي والعنف المنهجي والهيكلية والاستعمار الاستيطاني.

وكان من أعماله: عزيزي الرئيس أوباما.. أتمنى ألا تظل صامتًا، "الغارديان، 2013، و"جدتي، أيقونة الصمود الفلسطيني"، ذا نيشن، 2020، ومن أعماله الأخيرة "إذا سرقوا الشيخ جراح"، مدى مصر 2021، و"أطلق الجيش الإسرائيلي النار على ابن عمي - وتتحمل الولايات المتحدة جزءًا من اللوم"، ذا نيشن، 2021.

ولعل ما أثار انتباه العالم وجعل محمد مشهورًا؛ اعتلاءه منبر الأمم المتحدة، وخطابه الواثق، ولغته الهادئة، وحديثه المتهكّم: "مرحبًا أيها المجتمع الدولي، وشكراً لخطاباتكم المزلزلة، أنا متأكد أن السلطات القائمة بالاحتلال تشعر بالقلق الشديد الآن (..) المشكلة في الأساس ليست في جهل العالم بما يدور في الأراضي الفلسطينية بقدر ما يرتبط الأمر بالتقاعس في العمل من أجل إنهاء المعاناة المستمرة منذ عشرات السنوات".

وفي خطابه شرح الكرد معاناة المقدسيين والفلسطينيين بشكل عام وعن حصار غزة ومعاناة أهلها، وأوضاع الأسرى الفلسطينيين، مؤكدًا إيمانه بزوال الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي، وختم حديثه قائلا: "ستكون هناك، يوما ما، متاحف ونصب تذكارية لتكريمنا وأخرى تحمل أسماءنا، وسيقف الناس فوق أرضنا ويعترفون بمعاناتنا، لكن آمل أن يحدث كل هذا الاعتراف بينما ما يزال الفلسطينيون هنا، نستحق العدالة والتحرير في حياتنا".

شهرة لم تجعله متكبرا، حتى عند سؤاله عن رأيه بأنّ الفلسطينيين يعتبرونك وشقيقتك أيقونة، أجاب: ترعبني هذه الكلمة، وأرفض أن نُعطى هذه التسمية؛ ففي نهاية الأمر، نحن أفراد لنا آراؤنا الخاصّة، وقد نختلف فيها، قد أختلف مع أختي منى، وقد أختلف مع الناس الّذين أطلقوا هذا الوصف. كما أنّ الشخص الأيقونة تُسْلَبُ منه قدرته على التقرير.

محمد ومنى بنشاطهما وجهودهما ساعدا على إحداث تحول دولي بالخطاب فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وباتا أكثر الأصوات شهرة للمهددين بفقدان منازلهم في الشيخ جراح، ونظرًا لتأثيرهما الواسع المحلي والدولي،استحقا أن يكونا قي قائمة الأكثر تأثيرًا في العالم لعام 2021 إلى جانب جو بايدن ورئيس المكتب السياسي لحركة طالبان وغيرهم من قادة العالم والمؤثرين، وفق مجلة التايم الأمريكية.

وعند النظر إلى التأثير الذي أحدثه محمد ومنى وأهالي الشيخ جراح، فنرى أن الاحتلال الإسرائيلي لم يتحمل الضجة الإعلامية والدبلوماسية التي فاقت كل التوقعات، ونوقشت قضية الشيخ جراح في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فيما كانت عنوانا لكل الاتصالات التي جرت بين الرئيس الأمريكي جو بايدن ورئيس وزراء الاحتلال السابق بنيامين نتنياهو خلال الحرب على غزة، كما أجبرت تلك الأحداث يائير لابيد على قول إن الفلسطينيين انتصروا علينا إعلاميًّا ودبلوماسيًّا.

الشاهد الحي على القضية

وللتعرف على أصل القضية يقول المقدسي ابن الشيخ جراح عارف حماد الشاهد الحي على القضية: إن عائلته لجأت من مدينة حيفا (شمال) في عام 1948 قبل أن تستقر في شرقي القدس، وفي عام 1972، تفاجؤوا بإنذار من جمعيتين استيطانيتين ادعتا ملكيتهما للأرض المقامة عليها المنازل وطُلب منهم إخلاء المنازل بداعي أنهم دخلوا الأرض عنوة.

وأضاف السبعيني حماد أنّ عائلات الشيخ جراح المهددة بالطرد كلّفت محاميًا إسرائيليًا اسمه إسحاق توسيه كوهين، واستطاع أن يثبت للمحكمة افتراء المستوطنين بأن السكان دخلوا إلى المنازل عنوة، وأوضح أنهم دخلوها بموجب اتفاق مع الحكومة الأردنية ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، غير أنه في أواخر الثمانينيات أبرم المحامي الإسرائيلي ذاته اتفاقا مع المحامي الخصم، نص على أن الجمعيتين الاستيطانيتين هما المالكتين للأرض وأننا مستأجرون".

هذه الاتفاقية أثّرت سلبيًا في الحي بأكمله لأنه في 2009 ونتيجة لها، استطاع المستوطنون أن يستولوا على 4 بيوت مملوكة لعائلات الغاوي وحنون والكرد، وبعد الاستيلاء عليها قدمت الجمعيات الاستيطانية دعاوى ضد 3 عائلات أخرى في الحي وهي حماد ودجاني وداوودي ثم قدمت لاحقا دعاوى ضد عائلات الصباغ والكرد والجاعوني واسكافي.

ثم كانت الشرارة باتخاذ قرارات في المحاكم الإسرائيلية بإخلاء هذه المنازل" خلال 2020 و2021، لكن التطورات التي حدثت والحراك والتضامن والوقفات الاحتجاجية الشعبية الفلسطينية في مايو/أيار 2021 أجبرت المحكمة العليا الإسرائيلية على تجميد هذه القرارات، وفق حماد.

يكمل حماد بأن "المحكمة الإسرائيلية قدمت لنا اقتراحًا مرفوضا اعتبرتنا بموجبه مستأجرين محميين لفترة معينة مقابل أن ندفع الإيجار للمستوطنين، وبعد تحديد صاحب الملكية يجري إخلاءنا أو تثبيتنا في بيوتنا"، وبعد شد وجذب قضت المحاكم الإسرائيلية بإخلاء العائلات الفلسطينية منازلها لصالح المستوطنين.

وختم حماد: "القلق والتعب النفسي موجود ودائم من خلال مواقف المستوطنين ضدنا في الوقت الذي تقف فيه الشرطة الإسرائيلية معهم، ونحن نتصدى لهم بصدورنا العارية في حين أنهم مدججون بالسلاح".

ويبقى الشعار الذي خُط على جدران بيوت الشيخ جراح "لن نرحل".