هشام أبو هواش ينبِّه إلى معاناة الأسرى الفلسطينيين

شدَّ الأسير هشام أبو هواش أنظار العالم إلى معاناة الأسرى الفلسطينيين، بعد أن انتزع حريته بالإضراب عن الطعام 141 يومًا، وبعدما وصل، حرفيًّا، إلى حافّة الموت، قبل أن يكسر إرادة الحكومة الإسرائيلية التي أجبرت على إنهاء اعتقاله الإداري، خشية انفجار انتفاضةٍ شاملةٍ في الأراضي المحتلة، أو نشوب حربٍ جديدةٍ مع المقاومة الفلسطينية، تخشاها (إسرائيل) وتحاول تجنبها.

ولم يكن الأسير أبو هواش الوحيد الذي كسر إرادة الاحتلال باستعداده الشجاع للإضراب حتى الموت، أو نيل الحرية، فقد سبقه إلى ذلك في هذا العام وحده كايد الفسفوس ومقداد القواسمة، وقبلهما ماهر الأخرس وخضر عدنان، وما مجموعه ستون أسيرًا خاضوا إضراباتٍ فردية لكسر الاعتقال الإرادي عدا عن الإضرابات الجماعية.

قضية الأسرى والأسيرات الفلسطينيين تمثل ملحمة بطولية، ومأساة إنسانية في الوقت نفسه، إذ نفذ الاحتلال منذ عام 1967 ما لا يقل عن مليون عملية اعتقال ضد المناضلين الفلسطينيين، وخلال عام 2021 وحده اعتقل ثمانية آلاف فلسطيني، منهم 1300 طفل قاصر و184 امرأة. ومع بداية العام الجديد كان عدد الأسرى في سجون الاحتلال 4600، منهم 225 طفلًا و134 أسيرة، وبينهم 134 أسيرًا مضى على أسرهم 25 عامًا، و13 أسيرًا معتقلون منذ 30 عامًا، أي قبل توقيع اتفاق أوسلو، يتصدّرهم نائل البرغوثي الذي أصبح صاحب أطول مدة اعتقال لأسير سياسي في العالم، وقد أمضى 42 عامًا في سجون الاحتلال بالمقارنة مع 27 عامًا أمضاها نيلسون مانديلا في سجون النظام العنصري، بالإضافة إلى الأسيرين كريم وماهر يونس، وكلاهما أمضى 38 عامًا في الأسر.

547 أسيرًا فلسطينيًا محكومون بحكم مؤبد أو أكثر، ويصل الحكم المؤبد، حسب القوانين الإسرائيلية، إلى 99 عامًا، وأشهرهم المناضل عبد الله البرغوثي الذي حَكم عليه الاحتلال بـ67 حكمًا مؤبدًا، أي أنّ عليه أن يقضي في السجون 6633 عامًا، وهذا أعلى حكم معروف في العالم، وهو حكم يظهر وقاحة سخيفة، بالإضافة إلى حقد أعمى لجهاز الحكم والقضاء الإسرائيليين.

ولعلّ أعمق الجروح التي يشعر بآلامها الفلسطينيون، في قضية الأسرى، وجود 600 أسير يعانون من أمراض مزمنة ولديهم إعاقات، ومنهم أربعةٌ مصابون بالسرطان، و14 بأورام مختلفة، ويزجّ معظمهم في سجن الرملة المشهور بالإهمال الطبي الذي يؤدّي إلى الموت، وأكبرهم سنًا فؤاد الشوبكي (81 عامًا) وأحدهم ناصر أبو حميد يعاني من سرطانٍ مستفحل، ويرفض الاحتلال الإفراج عنه، وهو شقيقٌ لأربعة أسرى آخرين ولأخ شهيد خامس استشهد بعدما قتل ضابط تجسّس إسرائيليًا، وأصبحت والدتهم تلقب "بخنساء فلسطين".

وما يكوي الجرح بالملح إصرار الاحتلال على مواصلة اعتقال جثامين الأسرى الذين يستشهدون في سجونه، حتى تنهي جثامينهم مدة محكوميتهم، ومجموعهم ثمانية، منهم الشهداء أنيس دولة، وعزيز عويسات، وفارس بارود، ونصار طقاطقة، وبسام السايح.

أما عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا في السجون نتيجة قمع الاحتلال، أو الإهمال الطبي، فيصل إلى 227 شهيدًا، ومن بين الأسرى الحاليين ثمانية نواب منتخبين وقادة، كمروان البرغوثي، وأحمد سعدات، بالإضافة إلى أكثر من 50 نائبًا تم اعتقالهم منذ انتخابهم في آخر انتخابات تشريعية فلسطينية عام 2006.

وتحتجز إسرائيل، حسب معطيات منظمات حقوق الإنسان ومؤسسات شؤون الأسرى، 540 معتقلًا إداريًا، حسب نظام الاعتقال الإداري الذي شرّعه قانون الطوارئ للانتداب البريطاني عام 1945، وهو قانون جائر، تصرّ (إسرائيل) على مواصلة استخدامه، على الرغم من إلغائه في بريطانيا، ويتيح لها اعتقال الفلسطينيين ستة أشهر قابلة "للتجديد" من دون حدود، من دون توجيه أيّ اتهام لهم، ومن دون أن يعرفوا سبب اعتقالهم. ويعني هذا القانون أنّ كلّ فلسطيني وفلسطينية معرّض للاعتقال من دون أساس قانوني، أو محاكمة، أو تهمة، إذا قرّرت أجهزة المخابرات والأمن الإسرائيلية اعتقالهم، وهو بمثابة سيف مسلط على رأس كلّ فلسطيني وسيلةً لتحريم كل مقاومة، أو نضال حتى لو كان سلميًا، بل ولقمع حرية الرأي والتعبير، والنشاط السياسي والثقافي والاجتماعي.

لا يوجد مكان في العالم يستخدم قوانين جائرة كهذه، سوى إسرائيل، حيث تستند الاعتقالات إلى ملفات سرّية يُمنع الأسير ومحاموه من الاطلاع عليها. ولإيضاح مدى فداحة الظلم الذي يمثله الاعتقال الإداري، لا بد من الإشارة إلى أنّ أحد الأسرى قضى ثمانية أعوام بموجبه في السجون، وأنّ سلطات الاحتلال استخدمت الاعتقال الإداري خمسين ألف مرة، ضد خمسين ألف فلسطيني منذ وقع الاحتلال، ومنها 24 ألف حالة اعتقال إداري منذ عام 2000.

وغني عن القول إنّ المحاكم التي يحاكم فيها الفلسطينيون، بمن في ذلك المقيمون في مناطق السلطة الفلسطينية، عسكرية تدار حسب الأوامر والقوانين العسكرية الإسرائيلية، لكنّها تستخدم عندما تشاء القوانين العثمانية، والبريطانية، والأردنية، والقوانين الإسرائيلية إذا كان ذلك مناسبًا لقمع الفلسطينيين والتنكيل بهم.

وكلّ فلسطيني يريد كسر الاعتقال الإداري يضطر للإضراب حتى الوصول إلى حافّة الموت، كما فعل الأسير هشام أبو هوّاش، ويجري ذلك كله على مرأى ومسمع من قوى وحكومات عديدة تتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان، عندما يتعرّض شخص في هونغ كونغ، أو روسيا، أو إيران للاعتقال. أما حين يتعلق الأمر بما يتعرّض له الفلسطينيون على يد إسرائيل، فإنّها تصبح كمن يشاهد ولا يرى، ويسمع من دون أن يستوعب، ويقرأ من دون أن يفهم، ويصمت كصمت القبور حين يُطالَب بموقف، خوفًا من الإرهاب الفكري الذي يمارسه حكام إسرائيل، والذي وصلت دناءته إلى حدّ وصف الممثلة البريطانية، إيما واتسون، باللاسامية، لمجرّد نشرها صورة تتضامن مع فلسطين.

المصدر / العربي الجديد