حين يستبدل العالم باسم الاحتلال "الأبارتهايد"

ليست نبوءة إسرائيلية، بقدر ما هو تقدير موقف وضعته وزارة خارجية الاحتلال في الأيام الأولى من العام الجديد، توقعت فيه أن يكون عامًا صعبًا وكئيبًا على نشاطها الدبلوماسي حول العالم، في ظل المخاوف من ظهور رأي عام دولي رافض لاستمرار انتهاكاتها في الأراضي المحتلة، ما سيدفع العديد من دول العالم، بما فيها تلك التي قد تعد صديقة للاحتلال، لعدم الصمود أمام مطالبات المنظمات الحقوقية، بإطلاق مفردة نظام الفصل العنصري على الاحتلال!

لعل التخوف الإسرائيلي له ما يبرره في ظل تنامي الأصوات الرافضة لممارسات الاحتلال وانتهاكاته ضد الفلسطينيين، واستمرار الانسداد السياسي معهم، وطغيان المواقف اليمينية على الحكومة الحالية، واتساع رقعة اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، وما يحظون به من رعاية وحماية من قوات الاحتلال والحكومة ذاتها.

 تستفيد الأوساط السياسية والدبلوماسية الإسرائيلية في وضع تقدير الموقف هذا مما يصلها من سفاراتها وقنصلياتها المنتشرة في العشرات من دول العالم، وتؤكد غالبيتها أن العالم بدأ يضيق ذرعا فعلا بالسياسة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، والحديث يدور عن بيئات سياسية يوجد للاحتلال فيها موطئ قدم واسع ونفوذ كبير، وليس عن دول معادية أو مناهضة له، وهنا تزداد الخطورة الإسرائيلية، والمخاوف تبدأ في التنامي والتفاقم!

ربما تجدر الاستفادة من تطورين لافتين يدعمان هذه القراءة الإسرائيلية المتشائمة، أولهما جاء على لسان وزير الخارجية يائير لابيد الذي قدم ملخصه الدبلوماسي عن العام الجديد، حين حذر من خطر حقيقي إن قررت هيئات الأمم المتحدة أن (إسرائيل) تمارس الفصل العنصري ضد الفلسطينيين، ما قد يكون له عواقب فورية وخطيرة، ولذلك فإن الكثير من جهوده ستكون ضد هذا التوجه في منظمات مثل المحكمة الجنائية في لاهاي، ولجان التحقيق الدولية.

التطور الثاني يتعلق بما كشفه الكاتب الإسرائيلي باراك رافيد في مؤلفه الجديد حول صفقة القرن عن رسالة إنذار وجَّهتها بريطانيا للولايات المتحدة، حذرت فيها من اتخاذ قرار "تاريخي" للرد على ضم أجزاء من الضفة الغربية، يتمثل في الاعتراف بدولة فلسطين، وهو رد أشد حدةً من غيره، ما أثار دهشة الإسرائيليين، وتخوفهم، لأن هذا الاعتراف سيدفع دولًا أوروبية أخرى مثل فرنسا وإسبانيا لفعلِ الشيء نفسه، بتأثير أشبه بالدومينو، وهذا سيناريو لطالما تخوَّف منه الاحتلال.

الخلاصة الإسرائيلية أن الزمن الذي كانت تعربد فيه، وتجد من "يتستر" عليها، بل ويمنحها شيكًا على بياض، لم يعد قائمًا، صحيح أنها ستبقى تحتفظ بـ"حبل من الناس" في وجودها، لكن هذا الحبل سيبدأ في الذوبان رويدًا رويدًا مع مرور الوقت، لأن العالم ضج فعلًا بجرائمها، ولم يعد يجد المزيد من الذرائع لإقناع شعوبه بأكذوبة الأساطير الإسرائيلية التي انتشرت في عقود سابقة، ولم تعد تجد من يشتريها اليوم.