فلسطين أون لاين

تقرير نسرين في مواجهة الحرب... أمٌّ وحيدة بثلاثة أطفال تحت خيمة بلا مقوّمات حياة

...
أطفال نسرين الذين فقدوا والدهم في حرب الإبادة يعيشون واقعًا أقسى من أعمارهم
غزة/ صفاء عاشور:

لم تكن نسرين عاشور تتخيّل يومًا أن تنقلب حياتها إلى هذا المشهد القاسي؛ خيمة مهترئة، وأرض باردة، وثلاثة أطفال يلتفون حولها بحثًا عن دفءٍ لا تملكه.

تجلس في زاوية خيمتها، تحدّق في وجوه أطفالها بصمت، في حين تتزاحم في ذاكرتها صور حياةٍ مضت، قبل أن تبتلعها الحرب بكل قسوتها.

قبل اندلاع الحرب، كانت نسرين تعيش حياةً بسيطة مع زوجها وأطفالها الثلاثة في مدينة غزة. لم يكن لديهم الكثير، لكنهم كانوا يملكون الأمان، وسقفًا يحميهم، ودفئًا عائليًا يخفّف وطأة الصعوبات.

ومع بداية الحرب، اختارت نسرين وزوجها البقاء في منزلهم بحي الزيتون، رافضين النزوح رغم القصف المتواصل. كان قرار البقاء نابعًا من إيمانٍ عميق بأن الأرض لا تُترك، وأن النزوح بداية لفقدانٍ أكبر. تقول نسرين: "كنا نخاف، نعم، لكننا كنا نتمسّك ببيتنا، نشعر أنه آخر ما نملك".

مرّت الأيام ثقيلة؛ القصف لا يتوقف، وأصوات الانفجارات أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. ومع اشتداد الحصار وبدء المجاعة، صار الحصول على الطعام تحديًا يوميًا.

كانت نسرين توزّع القليل الذي لديهم على أطفالها، وتخفي جوعها خلف ابتسامةٍ متعبة.

لكن اللحظة التي غيّرت كل شيء جاءت فجأة. في يوم بدا كغيره من أيام الحرب، خرج زوجها للقاء مجموعة من الشباب، قبل أن يستهدفهم صاروخ أطلقته طائرة "كواد كابتر".

لم يمضِ وقت طويل حتى وصل الخبر: استُشهد زوج نسرين، وانهار العالم من حولها.

"لم أصدّق… كنت أنتظر أن يعود، أن يطرق الباب، أن يقول إنهم أخطأوا"، تقول بصوتٍ متقطّع، وهي تغالب دموعها.

بفقدانه، لم تخسر شريك حياتها فحسب، بل السند الوحيد الذي كانت تعتمد عليه في مواجهة هذه الظروف القاسية. أصبحت فجأة مسؤولة عن ثلاثة أطفال، في وقتٍ لا يكاد فيه الإنسان يجد ما يسدّ رمقه.

بعد استشهاده، اضطرت نسرين إلى النزوح مجددًا. لم يعد هناك خيار للبقاء، مع تصاعد القصف واقترابه من مناطق سكنهم. حملت أطفالها وما تيسّر من متاع، وانضمت إلى موجة نزوحٍ لا تنتهي.

كانت الرحلة قاسية بكل معنى الكلمة: طرق مدمّرة، خوف دائم، وأطفال يسألون عن والدهم الذي لن يعود.

"أصعب ما كان عليّ أن أرى أطفالي يسألون عنه… ولم أكن أملك إجابة تخفّف عنهم"، تقول.

خلال النزوح، فقدت نسرين معظم ما تملك، حتى الملابس البسيطة التي كانت تحملها لأطفالها. وفي نهاية المطاف، أقامت خيمة لا تكاد توفّر الحد الأدنى من الحماية.

اليوم، عادت إلى حي الزيتون، وتقيم مع أطفالها في خيمة لا تحتوي سوى على بعض البطانيات. لا فرشات، ولا أغطية كافية، ولا حتى ملابس تقيهم البرد.

ينامون على الأرض مباشرة، بينما تحاول نسرين أن تجعل من جسدها حاجزًا يحمي أطفالها من قسوة الليل. تقول: "الأرض قاسية جدًا… ظهري لم يعد يحتمل، لكن ماذا أفعل؟ لا أستطيع أن أترك أطفالي ينامون وحدهم".

الليل بالنسبة لها ليس وقتًا للراحة، بل بداية معاناة جديدة. يتسلل البرد إلى الخيمة، وتعيد أصوات القصف البعيدة ذكريات الفقد والخوف. تبقى مستيقظة لساعات، تراقب أطفالها، وتتأكد أنهم بخير، رغم إدراكها أن الخطر لا يزال قائمًا.

أما النهار، فهو صراع آخر مع الجوع. لا مصدر ثابتًا للطعام، وتعتمد على مساعدات محدودة إن توفّرت. أحيانًا تمر أيام دون أن يجد أطفالها ما يكفيهم من الغذاء.

تحاول أن تبدو قوية أمامهم، لكنها تعترف بأن الأمر بات يفوق طاقتها: "أنا أحاول… لكنني تعبت. لا أريد شيئًا لنفسي، فقط أريد أن يعيش أطفالي بكرامة".

أطفال نسرين، الذين فقدوا والدهم، يعيشون واقعًا أقسى من أعمارهم؛ لا مدارس، لا ألعاب، ولا شعور بالأمان. كل ما يملكونه أمّ تحاول أن تعوّضهم عن كل شيء، رغم أنها نفسها مكسورة من الداخل.

تنظر نسرين إلى أطفالها وتفكّر في مستقبلهم المجهول. الخوف لا يفارقها، ليس فقط من الحرب، بل من العجز عن تأمين أبسط احتياجاتهم.

"أتمنى أن ينظر إلينا العالم… أن تساعدنا المؤسسات الدولية، أن يوفّروا لنا مكانًا نعيش فيه، أو من يتكفّل بأطفالي. أخاف عليهم أكثر من خوفي على نفسي".

قصة نسرين ليست حالة فردية، بل صورة موجعة لمعاناة آلاف النساء اللواتي فقدن أزواجهن في الحرب، وأصبحن يتحمّلن وحدهن عبء الحياة في ظروفٍ لا إنسانية.

المصدر / فلسطين أون لاين