لم يكن ختام شهر رمضان هذا العام يشبه ما سبقه في حياة أطفال عائلة مقداد. فبينما كانت البيوت تستعد لاستقبال العيد بفرحٍ طال انتظاره، كانت خيمة صغيرة في قطاع غزة تحمل حكاية مختلفة لأطفال فقدوا كل شيء في لحظة واحدة، ولم يبقَ لهم سوى ذاكرة مثقلة بالوجع.
في تلك الخيمة التي ظنّها أصحابها ملاذًا آمنًا من جحيم القصف، كانت عائلة غالب مقداد تحاول أن تصنع حياةً مؤقتة بين النزوح والخوف. لكن طائرات الاحتلال لم تترك لهم حتى هذا الحد الأدنى من الأمان. في لحظة واحدة، انهمرت الصواريخ على الخيام، لتتحول إلى رماد، وتحمل معها أرواح الأب والأم والجدة، وتترك خلفها أطفالًا أيتامًا يواجهون العالم وحدهم.
يستعيد سائد مقداد، عمّ الأطفال، تلك اللحظة بصوتٍ مثقل بالحزن في حديثه لصحيفة "فلسطين": “كان يوماً أسود… لم يكن في الخيمة سوى عائلة تبحث عن الأمان. فجأة، فرغت طائرات الحقد حمولتها من الصواريخ فوق رؤوسهم. خلال ثوانٍ، فقدنا غالب وزوجته ووالدته، وأصيب بقية أفراد العائلة. لم يكن هناك أي مبرر… كانت خيمة آمنة”.
منذ ذلك اليوم، لم تعد حياة الأطفال كما كانت. لم يعد هناك أب يحتضنهم عند الخوف، ولا أم تمسح دموعهم، ولا دفء بيت يقيهم قسوة الأيام. صاروا أيتامًا في زمنٍ لا يرحم، يواجهون تفاصيل الحياة الثقيلة بأجساد صغيرة وقلوب مثقلة بالفقد.
ومع انتهاء شهر رمضان، كان من المفترض أن يأتي العيد ليحمل شيئًا من الفرح، كما اعتاد أطفال المسلمين في كل مكان. لكن في خيمة أطفال مقداد، كان العيد مختلفًا تمامًا.
يقول سائد: “هذا العيد… تقرأ في أعين الأطفال الألم قبل أي شيء. ينظرون حولهم، يرون الأطفال يخرجون مع آبائهم، يضحكون، يلبسون الجديد، يأخذون العيدية… وهم يقفون بصمت، لا أحد يأخذ بأيديهم”.
لم تكن المشكلة في غياب الملابس الجديدة أو العيدية فقط، بل في غياب المعنى الحقيقي للعيد. فالعيد بالنسبة لهؤلاء الأطفال لم يعد مناسبة للفرح، بل صار مرآة تعكس حجم الفقد الذي يعيشونه.
أحد الأطفال، كما يروي عمهم، وقف يراقب أقرانه وهم يلعبون مع آبائهم، ثم سأل بصوتٍ خافت: “وين بابا؟”. سؤال بسيط، لكنه كان كفيلاً بأن يعيد فتح الجرح في قلوب الجميع.
“لم نعرف ماذا نجيب”، يقول سائد، “كيف تشرح لطفل أن والده لن يعود؟ كيف تقنعه أن هذا العيد سيبقى ناقصًا إلى الأبد؟”.
الأصعب من ذلك، كما يضيف، أن الأطفال يعيشون الفقد يوميًا، لكن العيد يضاعف هذا الشعور. ففي الأيام العادية، يمكن للطفل أن ينشغل قليلاً، أن ينسى لبعض الوقت، لكن في العيد، كل شيء يذكّره بما فقده.
“العيد يكشف الألم”، يقول سائد، “في كل زاوية، في كل ضحكة، في كل طفل يركض نحو أبيه… يشعر أطفال مقداد أنهم وحدهم”.
لم يكن فقد الأب والأم مجرد حدث عابر في حياتهم، بل تحوّل إلى نقطة فاصلة بين زمنين: زمن كان فيه البيت ممتلئًا بالحب، وزمن آخر أصبحوا فيه يتلمسون بقايا الذكريات.
يتذكرون تفاصيل صغيرة: صوت والدهم، يد أمهم، ضحكاتهم في ليالي رمضان الماضية. تلك الذكريات أصبحت الآن ملاذهم الوحيد، لكنها في الوقت نفسه مصدر ألم لا ينتهي.
ورغم محاولات العائلة الممتدة احتواء الأطفال والتخفيف عنهم، إلا أن الفراغ الذي تركه الوالدان لا يمكن ملؤه بسهولة. فالأب ليس مجرد معيل، والأم ليست مجرد راعية… بل هما الأمان، والطمأنينة، والسند الذي لا يعوض.
يقول سائد: “نحاول أن نكون لهم كل شيء، لكننا نعرف أن ذلك مستحيل. لا أحد يمكن أن يعوّضهم عن أمهم وأبيهم. نحاول فقط أن نخفف عنهم، أن نمنحهم بعض الحنان، لكن الألم أكبر من كل محاولاتنا”.
ومع مرور الأيام، يبقى التحدي الأكبر هو كيف يمكن لهؤلاء الأطفال أن يكبروا في ظل هذا الفقد، وكيف يمكن أن يُبنى لهم مستقبل في واقعٍ ما زال يحمل نفس التهديد الذي خطف والديهم.
قصة أطفال مقداد ليست استثناءً في غزة، لكنها واحدة من أكثر الصور قسوة التي تختصر معاناة جيلٍ كامل من الأطفال الذين كبروا على صوت القصف، وفقدوا أبسط حقوقهم في الحياة: أن يكون لهم أبٌ وأم.
وفي هذا العيد، بينما تعلو تكبيرات الفرح في أماكن كثيرة، يبقى في خيمة أطفال مقداد صمتٌ ثقيل، وعيونٌ تبحث عن وجوه لن تعود، وقلوب صغيرة تحمل من الحزن ما يفوق أعمارها.
عيدهم ليس كبقية الأعياد… بل هو موعد جديد مع الحزن، وجرحٌ يُفتح من جديد، ولن يندمل بسهولة.

