فلسطين أون لاين

تقرير الفلسطينيون.. اختلفت الأماكن و"الهم واحد"

...
القدس المحتلة-غزة/ يحيى اليعقوبي:

تتحدى غزة الحصار وتبحث الضفة الغربية عن الحرية والقدسُ تقاومُ التهجير العرقي ويرابطُ أهلها في مسجدها الأقصى، وفي المنافي يتعلق اللاجئون بالعودة إلى "أراضي الـ48".

تعطيل عباس الانتخابات العامة بدد آمالهم في تحقيق المصالحة

تقفُ غزة شامخةً منتصرةً أمام محاصريها، وهي تبحث عن الحياة والأمل في وقتٍ أرادوا لها أن تكون موطنًا لليأس، ويبحث الأهالي في الضفة الغربية المحتلة عن الحرية وينادون برفع يد أجهزة أمن السلطة الثقيلة عن حياتهم للتفرغ للتصدي للاحتلال الإسرائيلي موحدين، في حين تحدق الأخطار بالمسجد الأقصى في وقت يضع المحتل ومستوطنوه مجهر التهجير القسري على حي الشيخ جراح وباقي الأحياء المقدسية، التي يتمسك أهلها بالرباط فيها لإفشال مخططاته التهويدية.

أما في الشتات فيعيش اللاجئون الفلسطينيون واقعًا مأساويًّا، خاصة بمخيمات اللجوء في لبنان، في وقتٍ تعصف بالدولة اللبنانية أزمات اقتصادية وسياسية تلقي بظلالها على واقع المخيمات، فمهما اختلفت أماكن وجود أبناء الشعب الفلسطيني فإنهم يحملون همًّا مشتركًا في الدفاع عن قضيتهم، رغم محاولات الاحتلال لإشغالهم بهمومهم اليومية، لتشتيت شملهم.

إيقاع الحياة في غزة

تتسارع حركة الشاب أحمد بلبل على بسطته لبيع المشروبات الساخنة بحي الرمال في غزة، يقف الشاب العشريني "في مكان غير مكانه"، فهو يحمل شهادة جامعية بتقدير جيد جدًّا في تخصص إدارة الأعمال، ويتمنى العمل بإحدى الشركات.

الشاب بلبل أحد عشرات آلاف الخريجين الشباب الذين علقوا شهادات تخرجهم على جدران منازلهم، فلم يتسع سوق العمل لهم، مع ارتفاع نسبة البطالة مع اشتداد طوق الحصار الإسرائيلي على القطاع منذ 15 عامًا.

ورغم أنه يقف بملامح باهتة لا يزال يتمسك ببصيص أملٍ مع تبدل الأعوام، يقول وقد انتهى من سكب القهوة لأحد الزبائن المارين: "تخرجت منذ ثلاث سنوات وذهبت إلى المؤسسات للتطوع والدراسة، لكنني في النهاية لم أجد إلا هذه البسطة التي تدر علي دخلًا بسيطًا لتوفير مصروفي الشخصي وبعض مستلزمات عائلتي، أو توفير مبلغ يسير للسفر في محاولةٍ لإيجاد فرصة أفضل بالخارج".

ويشكل الشباب الفلسطينيون أكثر من خمس المجتمع، وتبلغ نسبة البطالة في صفوف الخريجين منهم بقطاع غزة 68%.

وقد ساهم الحصار الإسرائيلي في ارتفاع حاد بمعدل البطالة في قطاع غزة، حيث بلغت نسبتها 47%، في حين بلغت نسبة الفقر عام 2017 في القطاع 53%، ولا يزال الواقع الاقتصادي مترديًا.

الانتخابات والمصالحة

على مقربة من الشاب بلبل يجلس صديقه ضياء، من التخصص ذاته، لكنه بلا عمل، يقول وقد انطلقت منه ضحكة تهكمية على واقع حاله: "يا للأسف! حتى فرصة تطوع بمؤسسة أصبحت تحتاج إلى واسطة، وإذا أردت فتح مشروع شخصي فإنه معرض للفشل أمام عينيك، بسبب الوضع الاقتصادي والسياسي غير المستقر".

ليس بعيدًا عنهما يجلس الستيني منصور خلف، أمام محله للملابس، ينظر إلى الملابس الشتوية التي لم يبع شيئًا منها منذ الصباح، وقد اقترب أذان المغرب.

يخبر خلف بملامح لم ينعدم الأمل منها صحيفة "فلسطين" بأمنيته وتطلعاته، وقد ارتسمت على شفتيه ضحكة: "أهم شيء إتمام المصالحة، فالانقسام أحدث ترسبات سلبية على كل المستويات، فبها يحدث انفتاح في الوضع الاقتصادي المتردي".

ينظرُ إلى محله الواقع في أهم منطقة تجارية بغزة، مقدمًا نفسه دليلًا على صعوبة الوضع: "استوردت ملابس شتوية، لكن الناس لا تملك مالًا، فمنذ الصباح لم أبع إلا القليل منها".

أما العشرينية أمل الوادية فإن إنهاء الانقسام، والوقوف يدًا بيد للدفاع عن المسجد الأقصى والأراضي المحتلة يحتلان قائمة تطلعاتها، ثم حدوث تطور في جميع مناحي الحياة الاقتصادية وتحسين معدلات البطالة، وتجويد التعليم "حتى لا ينفر الجيل الجديد منه بسبب قلة فرص العمل".

أما فك الحصار، والتأهيل النفسي بعد العدوان الإسرائيلي، وإجراء الانتخابات العامة فتلك تطلعات الشاب شادي أبو زعيتر، التي أودعها في نافذة صحيفة "فلسطين"، حينما كان يسير في إحدى جنبات منطقة الرمال وزوجته وطفلهما، قادمين من بيت لاهيا شمالي القطاع، هروبًا من ذكريات لا تزال تجثم على صدر العائلات، مما رأوه من جرائم إسرائيلية خلال العدوان الأخير، في أيار (مايو) الماضي.

وإضافة إلى تنازلات كبيرة قدمتها حركة المقاومة الإسلامية حماس لإتمام المصالحة ودفع قطارها إلى الأمام؛ قدمت الحركة أيضًا في 2 كانون الأول (ديسمبر) 2021 رؤية لجهاز المخابرات المصرية لإنجاز المصالحة وإنهاء الانقسام، وحسب تصريح سابق من عضو مكتبها السياسي د. صلاح البردويل لصحيفة "فلسطين" لم تبدِ السلطة وحركة فتح أي رد فعل حيالها.

وكان من المقرر إجراء الانتخابات الشاملة على 3 مراحل خلال عام 2021، لكن رئيس السلطة محمود عباس عطلها بشكل خيب آمال وتطلعات الشعب الفلسطيني في إحداث تغيير ديمقراطي محرومين منه منذ آخر انتخابات فازت فيها حركة حماس، قبل 15 عامًا.

الشيخ جراح

وفي حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة لا يغادر المقدسي إبراهيم سالم منزله، يراقب أي تحركات غريبة في المنطقة، ويلتف حوله الجيران، بعدما تسلم قرارًا إسرائيليًّا بإخلاء منزله قسرًا نهاية ديسمبر 2021، وهم يدركون أن منزل عائلة سالم حلقة في سلسلة مترابطة يحاول الاحتلال تفكيكها لتسهيل جريمة التهجير القسري، وهو ما يضع سكان الحي ومن خلفهم أهالي القدس والشعب الفلسطيني أمام تحدٍّ جديد، لمواجهة سياسة خطرة يفرضها المحتل بهدوء للاستفراد بكل عائلة على حدة.

يقول المواطن سالم لـ"فلسطين": "إننا نرى بوادر هجمة إسرائيلية شرسة لتهويد المسجد الأقصى والبلدة القديمة، باستهداف خط الدفاع عن المسجد المتمثل في أهالي أحياء: الشيخ جراح، ورأس العامود، وجبل الطور، للاستفراد بهما".

يوجه رسالة للاحتلال يستمدها من عزيمة المرابطين: "سأرفض الخروج من منزلي، وسنظل مرابطين في المسجد الأقصى لإفشال مخطط التهويد".

يستقبل سالم العام الجديد بألم وحزن وترقب، وهو يرى بوادر ومؤشرات هجمة استيطانية تهويدية شرسة.

وكشف تقرير أممي مطلع تشرين الآخر (نوفمبر) 2021 عن ارتفاع معدل هدم منازل المواطنين والاستيلاء عليها في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، بنسبة 21% في الأشهر التسعة الأولى من عام 2021، مقارنة بالمدة المقابلة من عام 2020، فضلًا عن مواجهة 28 عائلة بحي الشيخ جراح خطر التهجير القسري.

قمع الحريات

أما في رام الله فبطاقة العمل الصحفي ودرع الصحافة يجعلان الصحفيين أهدافًا متنقلة لعناصر أجهزة أمن السلطة، وليسا تصريحًا يسمح لهم بالمرور في أي نقطة يريدونها بحرية، كما العادة في الدول التي تنص القوانين فيها على حرية العمل الصحفي.

فالصحفية نجلاء زيتون ضربها عناصر الأمن بالعِصي، وصادروا هاتفها الخاص ونقودها، في أثناء تغطيتها فعالية مطالبة بمحاسبة مرتكبي جريمة إعدام أجهزة أمن السلطة الناشط المعارض السياسي نزار بنات، ولا يزال هذا المشهد يجثم على ذاكرتها.

"عندما كنت طفلة كنت أتحدث عن الآمال، لكن لكوني صحفيةً تعيش بالضفة الغربية باتت تلك الآمال أحلامًا، تحت حكومة راعية للقمع بالعصا، وتكميم الأفواه، صرنا نخاف كتابة كلمة أو نشر صورة، أو أن يكون نظر أطفالنا عاليًا في مواجهة الاحتلال" تقول الصحفية نجلاء لـ"فلسطين".

وفي وقت يردد فيه مسؤولو السلطة برام الله شعارات تطالب بحرية الأسرى، واسترداد جثامين الشهداء المحتجزة لدى الاحتلال، ووقف الاستيطان؛ تؤكد نجلاء أنه "يجب عليهم التخلي عن الشعارات والخطابات، وتطبيقها واقعًا على الأرض"، وأقلها وقف التنسيق الأمني.

ووثقت مجموعة "محامون من أجل العدالة" تصاعد وتيرة حملات الاعتقال التي تنفذها أجهزة أمن السلطة بالضفة الغربية، وأن عدد المعتقلين موقوفين أو مفرجًا عنهم منذ منتصف أيار (مايو) الماضي حتى منتصف ديسمبر 2021 يقارب 200، وهي أسوأ أرقام تسجل منذ سنوات في سجل حقوق الإنسان بمناطق سيطرة السلطة.

واقع لجوء مأساوي

وبشأن اللاجئين في الخارج يبين مدير "الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين" علي هويدي أن أهم تطلعات اللاجئين الاهتمام بهم على المستوى الإنساني، وتلبية احتياجاتهم على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، وأن تأخذ وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) دورها في تلبية احتياجاتهم، والكف عن تعللها بأزمتها المالية على حسابهم.

ويتطلع هويدي في حديث لـ"فلسطين" أن يكون هناك دور أكبر للفلسطينيين في أوروبا وأمريكا للضغط على كل من يحاول استهداف القضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن وضع الدولة اللبنانية ألقى بظلاله على واقع المخيمات وفاقم معاناة اللاجئين فيها، وبات من الضروري تأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لهم في العمل، والتملك، وأن يكون هناك نداء طوارئ في "أونروا" خاص بفلسطينيي لبنان.

ووثق مركز الزيتونة للاستشارات والدراسات في بيروت بتقرير استراتيجي بلوغ عدد اللاجئين الفلسطينيين من مسجلين وغير مسجلين لدى "أونروا" نحو 8.990 مليون لاجئ، أي ما يعادل 67.4% من مجموع الشعب الفلسطيني، حتى مطلع 2020.