لقاء مصري أردني فلسطيني لكسر الجمود

كان الإسرائيليون يلهثون خلف أي لقاء مع العرب الفلسطينيين، يُطمئِن الشارع الإسرائيلي على أمنه، ويُهدِّئ غضب الشارع الفلسطيني، وكانت القيادة الفلسطينية تتأفف من اللقاء مع الإسرائيليين في زمن انتفاضة الحجارة 87، وكانت القيادة الفلسطينية تتدلل على الإسرائيليين في زمن انتفاضة الأقصى 2000، حتى وصل الأمر بوزير الخارجية الإسرائيلية شمعون بيرس أن يتسول لقاءً مع ياسر عرفات، وأن يطلب يوماً واحداً دون مواجهات، ودون شهداء، كي يبني عليه مشوار التهدئة.

 كان فعلٌ ماضٍ ناقصٌ، لا يرفع إلا المبتدأ من الأسماء، ولا يكسر إلا من فقد المبادرة، ومن فقد الذاكرة الشعبية التي أثبتت قدرتها على الفعل في كل زمان ومكان، وأثبتت قدرتها على فرض منطقها على العدو قبل الصديق.

 في الماضي، كان العرب يشترطون على الإسرائيليين الانسحاب من الأراضي المحتلة مقابل السلام، في الحاضر، صار العرب الفلسطينيون ـ لقلة فعلهم ـ يقبلون بالسلام مع الإسرائيليين مقابل السلام، ولكن عدوهم الإسرائيلي لم يعد يرضيه ذلك، وصار يرفض مجرد اللقاء مع القيادة الفلسطينية، ولم يعد يقبل مناقشة فكرة الانسحاب من الأراضي المحتلة، ولم يعد يقبل أن يناقش أي قضية سياسية مع القيادة الفلسطينية، التي حشر دورها في القيام بالمهمات الأمنية مقابل المكافأة الاقتصادية.

إنه لقاء الحائرين العاجزين، هذا هو مضمون اللقاء الذي عقد في القاهرة، وحضره وزراء خارجية مصر والأردن، وحضره حسين الشيخ وزير الشؤون المدنية بديلاً عن وزير الخارجية الفلسطيني، وحضره رؤساء الأجهزة الأمنية لمصر والأردن وفلسطين، لقاء الحائرين العاجزين ناقش مقترحات لكسر جمود عملية السلام، ومن المؤكد أن هذه المقترحات قد جاءت بمبادرة فلسطينية، تعكس التخوف على مستقبل القيادة الفلسطينية، ولا سيما بعد أن أجّل وزير الحرب الإسرائيلي بيني غانتس زيارته لرام الله، وألغى لقاءه مع محمود عباس، من هنا جاءت مقترحات حسين الشيخ وماجد فرج لكسر الجمود السياسي من خلال إغراء الإسرائيليين من جهة، وتحذيرهم من جهة أخرى، ولهذه المقترحات ثلاثة أبعاد تتعلق بحياة الشعب الفلسطيني.

البعد الأول: مرتبط بالأمن، وفيه دعوة لتحرك فلسطيني إسرائيلي مشترك لوقف موجة التصعيد الميداني على أرض الضفة الغربية، والتي باتت تقلق الطرفين، وأضحت تشكل ظاهرة من التحدي والتصدي، قد تتطور إلى ما هو أبعد من عمليات مقاومة فردية، ومن مواجهات جماهيرية في قرية برقة وبيتا وجنين وقلقيلية والجلزون والدهيشة، والطريق إلى ذلك تمر عبر بزيادة أفراد الأجهزة الأمنية، وتقويتها بأسلحة ومعدات جديدة. 

البعد الثاني: مرتبط بالضائقة المالية التي تعانيها السلطة الفلسطينية، وسبل تقديم المساعدات لها، وإنعاش الحالة الاقتصادية لسكان الضفة الغربية، على طريق توسيع الرزق، وإشغال الناس بشؤونهم الحياتية بعيداً عن القضايا السياسية.

البعد الثالث: قطع الطريق على فكرة رفع الحصار عن غزة، والبدء بالإعمار دون وجود السلطة وإشرافها، فأي نصر لغزة في هذا المجال سينعكس ثورة وانتفاضة في الضفة الغربية التي تحاكي غزة في المقاومة ومواجهة الغزاة.

مقابل ما سبق، تطالب المقترحات الفلسطينية من الحكومة الإسرائيلية التوقف عن بناء المزيد من الوحدات الاستيطانية، وأن يلجم الجيش الإسرائيلي اقتحامات المستوطنين للقرى العربية، وأن يواجه الطرفان حالة الإحباط لدى الشعب الفلسطيني، لئلا تصل حد الانفجار.

لقد تدارس المجتمعون في القاهرة ما سبق من مقترحات فلسطينية تهدف إلى كسر الجمود الشكلي فيما يتعلق بعملية السلام، بما في ذلك استجداء عقد أي لقاءات فلسطينية إسرائيلية، وبأي مستوى كان، لقاءات توحي بتواصل عملية السلام، وتؤكد عدم انتهاء صلاحية القيادة الفلسطينية الراهنة، وأهميتها للمرحة القادمة.