وصف الخبير في القانون الدولي د. عبد الحسين شعبان، إجراءات السلطة في رام الله تجاه قطاع غزة بأنها "عمل من أعمال الإبادة بطيئة الأمد والطويلة"، موضحا أن بالإمكان مقاضاتها أمام محاكم فلسطينية أو دولية، كما قال: إن هذه الإجراءات ستضر الوحدة الفلسطينية، على عكس ما يشاع من قبل السلطة عن أنها لإنهاء الانقسام.
وقال شعبان، الذي ألّف ثمانية كتب وأعد 50 بحثًا، وكتب حول القضية الفلسطينية، في حديث لصحيفة "فلسطين"، أمس، إن إجراءات السلطة التي وصفها رئيسها محمود عباس، بأنها "غير مسبوقة"، تمثل "عملا تمييزيًا، وانتهاكا يسائل عليه القانون الدولي".
وخصمت السلطة للشهر الثالث على التوالي، من رواتب موظفيها في القطاع دون الضفة الغربية، ما يتراوح بين 30-70%. وتفاجأ عشرات الأسرى المحررين في الرابع من الشهر الجاري، بقطع السلطة رواتبهم عن شهر مايو الماضي.
وأعلنت سلطة الطاقة بغزة، على مدار اليومين الماضيين، تخفيض سلطات الاحتلال 28 ميجا واط من قدرة الكهرباء على الخطوط الإسرائيلية المغذية للقطاع في خطوة أولية لتنفيذ القرارات المعلنة لتقليص الكهرباء تدريجيا وهي القرارات التي تمت بطلب من حكومة الحمد الله؛ بحسب "الطاقة".
وفضلا عن كون هذه الإجراءات عملا "تمييزيا"، قال شعبان: إنها "عمل من أعمال الإبادة بطيئة الأمد، الطويلة، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعته، بحيث لا يمكن التحجج بالخلافات السياسية بين الضفة وغزة لاتخاذ بعض الإجراءات التي من شأنها أن تلحق ضررا فادحا بالحقوق الأساسية للشعب العربي الفلسطيني، وأعني الحق في الحياة والعيش بسلام ودون خوف".
وأضاف: "إذا كان هذا العيش مهددا من الجانب الإسرائيلي فلا ينبغي للجانب الفلسطيني (في إشارة للسلطة في رام الله) أن يستخدمه ذريعة سياسية لفرض مواقف"، مشيرًا إلى أنه يمكن اختلاف المواقف السياسية لكن القضايا التي تتعلق بالحقوق الأساسية ينبغي النظر إليها من منظار القانون الدولي والشرعية الدولية لحقوق الإنسان.
وأعلنت وزارة الصحة بغزة الشهر الماضي، أن رام الله أوقفت توريد جميع الأدوية والمستهلكات الطبية للقطاع.
وأكد شعبان على ضرورة وضع المشروع الوطني الفلسطيني نصب الأعين، والعمل على نحو مشترك لمواجهة "التحدي الصهيوني، والمشروع الإسرائيلي الاستيطاني الإحلالي الإجلائي"، منوهاً إلى أن مشروع الاحتلال "يصل إلى طريق مسدود بسبب المقاومة العنيدة من جانب الشعب العربي الفلسطيني مدعومًا من الشعوب العربية ومن حركات التحرر في العالم".
كما وصف إجراءات السلطة بأنها "انتهاك سافر لحقوق الإنسان"، متابعا: "أي عملية تمييز (بين المواطنين الفلسطينيين من قبل السلطة) ستؤدي إلى انتهاك صارخ لحقوق مواطنين فلسطينيين".
وأشار إلى وجوب "مراجعة هذه الإجراءات والتراجع عنها لأنها ستلحق ضررا فادحا بوحدة الشعب الفلسطيني وتُوجد ردود فعل غير محمودة العواقب".
وشدد الكاتب والمفكر العراقي، على ضرورة الضغط باتجاه فتح حوار لتسوية الخلافات السياسية الفلسطينية.
لكن شعبان نوه إلى أنه بالإمكان للغزيين الذين يتعرضون لإجراءات السلطة، اللجوء لمنظمات المجتمع المدني وهيئات حقوق الإنسان للضغط على السلطة للتخلي عن هذه الإجراءات التي سببت ضررا للشعب الفلسطيني، كما أن هناك محاكم يمكن اللجوء إليها لمقاضاة المسؤولين عن هذه الإجراءات، وهذه المحاكم ممكن أن تكون فلسطينية أو دولية.
وقال: "قديما قالوا إن قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق، فما بالنا بالحاجات الضرورية للإنسان كالكهرباء والماء التي هي من ضرورات الحياة، فكل شيء يتوقف على الماء ووجود الكهرباء؛ المستشفيات، المعامل، الحياة اليومية".
وبيّن أنه على عكس ما يشاع أن إجراءات السلطة ستحاول إنهاء الانقسام، فإنها ستعمق هذا الانقسام، في هذا الظرف الدقيق الذي يحتاج فيه الشعب الفلسطيني إلى وحدة حقيقية، على صعيد الإرادة السياسية، والتوجه لمواجهة التحدي الإسرائيلي الذي تجاوز كل الحدود بانتهاك حرمة المسجد الأقصى، وتكريس الاحتلال له.
مواجهة الاستيطان بالضفة
من جهة ثانية، أكد شعبان أنه يتوجب أن تنصب الجهود على قضية الاستيطان باعتبارها قضية مركزية من قضايا النضال الوطني الفلسطيني، والتحرك لإدانة العدوان الإسرائيلي وإرغام سلطات الاحتلال على الامتثال للقرارات الدولية، والانصياع لإرادة المجتمع الدولي بوقف الاستيطان وصولا لإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 كمرحلة أولى لاستعادة الشعب الفلسطيني حقوقه كاملة وغير منقوصة.
ونوه إلى أن بعض القيادات الفلسطينية، في إشارة لقيادات السلطة، تميل إلى أن إيجاد تسوية مع الاحتلال الإسرائيلي هو بتقديم بعض التنازلات لكي يستجيب الأخير لبعض مطالب العرب والفلسطينيين، لكنهم جربوا منذ اتفاق أوسلو وما قبله على مدى ثلاثة عقود تقديم تنازلات منهجية أحيانا ومبدئية في أحايين أخرى للاحتلال لكنه لم يستجب بل تمادى في غيه.
وفي ظل ذلك، أوضح أن الاحتلال قسم الأراضي الفلسطينية، لاسيما عبر جدار الفصل العنصري الذي أدانته محكمة العدل الدولية عام 2004م بتقديمها رأيا استشاريا يقضي بتفكيك هذا الجدار وتعويض المتضررين بسببه، لكن سلطات الاحتلال مازالت مستمرة في عملها العدواني، خاصة من خلال تكريس الاستيطان الذي يمثل جريمة لا يمكن للقانون الدولي أن يتساهل إزاءها.
ولفت إلى أنه إلى جانب الدبلوماسية والسياسة، لا بد من وسائل أخرى رادعة للاحتلال، سواء المسلحة أو وسائل الضغط من نوع آخر "لمواجهة الإرهاب الإسرائيلي، وتصعيد حركة المقاومة والصمود في وجه العدوان الإسرائيلي المستمر، وهذا يلزمه وحدة الهدف وتنوع الوسائل".