غابت المنظومة الأمنية والقضائية فذهب المواطن لأخذ الحقوق باليد

تقرير الفلتان الأمني بالخليل يشعل حرائقه في النسيج الاجتماعي

...
صورة أرشيفية
الخليل- غزة/ يحيى اليعقوبي:

 

النتشة: السلطة تهمّش الأمن الاجتماعي وتركّز مواردها في "الأمن السياسي"

حقوقي: الظاهرة مقلقة وتتمادى بسبب وجود سلاح بيد العائلات الكبيرة

 

إحراق بيوت ومحالّ وسيارات، وإطلاق نار، ومشاجرات تنتهي بإزهاق أرواح، هكذا تعيش مدينة الخليل حالة فلتان أمني يهدد النسيج الاجتماعي فيها، في وقت تغيب فيه أجهزة الأمن وتستحوذ القبلية على المشهد.

الأسبوع الماضي أفاقت المدينة على جريمة قتل فيها الشاب سند دعنا في العشرينات من عمره، بعد مشاجرة مع أبناء عمه في إثرها أحرقت عدة بيوت، وفي أغسطس/ آب الماضي قتل الشاب حمزة عيث (20 عامًا) طعنًا بآلة حادة على يد أقاربه، وفي 27 يوليو/ أيار الماضي قتل الشاب باسل الجعبري على يد آخر من عائلة العويوي في إثره أُحرقت محال تجارية وحطمت مركبات وسط المدينة، لا تزال آثاره حتى اللحظة.

لا تزال آثار الفلتان تشتعل بالنسيج الاجتماعي بالمدينة، فالجمعة الماضية تعاملت إطفائية بلدية الخليل مع 20 حريقًا طالت ثلاث مركبات وحافلتين ومحلات تجارية ومصنعًا وكراجات ومشاغل ومطاعم في مختلف أرجاء المدينة.

طال الفلتان أيضًا حرم جامعة الخليل إثر خلاف وقع بين طلاب من عائلتي الجعبري والعويوي، امتدادًا للشجار بينهما، ساهم الخلاف في تفاقم ظاهرة الفلتان الأمني وانتشار فوضى السلاح، بما يفتت النسيج الوطني والاجتماعي ويهدد وحدة المجتمع وينسف كل القيم والعادات والتقاليد، وسط تحذيرات مجتمعية من اشتعال فتيل الفتنة وانتشار ظاهرة أخذ الحقوق باليد، عقب الأعمال التخريبية التي طالت الممتلكات العامة والخاصة.

تتجدد الخلافات رغم حدوث اتفاق بين العائلتين في أغسطس/ آب الماضي، شمل شروطًا تمنع عائلة العويوي من دخول بعض شوارع المدينة، وتلزمها بدفع 150 ألف دينار أردني لعائلة الضحية، في حين تعجز السلطة عن حل الخلافات.

ليست أولوية

يرى الناشط بالخليل أكرم النتشة خلال حديثه لصحيفة "فلسطين" أن من يتم إيذائهم في مشاكل الفلتان والمتضررين منه هم أناس ليسوا من طرفي الشجار بسبب عدم اهتمام السلطة في قضايا الأمن الاجتماعي وعدم وضعها على أولوية الأمن مما جعل الناس يلجؤون لحضن آخر قد يكون حضن العشيرة أو التنظيم أو المنطقة أو الحارة.

يعزز حالة الفلتان التي أشار إليها النتشة، "عدم الالتزام بالقانون وإضعاف السلطة بيدها لأجهزة الأمن، في وقت يحتل الأمن السياسي الأولوية الأولى على أجندة السلطة أكثر من الأمن الاجتماعي، فما حدث بين جنين والخليل يوضح ذلك، فمجرد خروج جنازة وزير الأسرى السابق وصفي قبها وظهور مسلحين يربطون عصبة خضراء على رؤوسهم أقال رئيس السلطة محمود عباس كل قادة الأجهزة الأمنية بجنين، في وقت لا تهدأ المشاكل بالخليل ولم يتم إقالة عسكري أو ضابط واحد".

يقول النتشة: "لا يمكن الجزم أن ما جرى حالة فلتان منظّم بالخليل خاصة في المناطق التي تخضع لسيطرة السلطة، فهي أقرب إلى أن تكون حالات عدم التزام بالقانون، فهذه الأشياء تعزز الحالة العشائرية على حساب سيادة القانون".

وتابع: "بات المواطن في الخليل، لا يشعر بالقانون والأمن بما فيه المنظومة القضائية بالتالي يلجأ لحضن العشيرة والحارة لحماية نفسه وهذه الكيانات لا تبحث عن العدل بقدر بحثها عن فرض القوة.

سطوة تتمادى

ما يجري عملية استقواء واستخدام اليد وما يعرف عرفاً بـ "فورة الدم" يعتبرها مدير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في جنوب الضفة فريد الأطرش مخالفة للقانون والدين ولحقوق الإنسان، وأن هناك عبثًا واعتداء على الممتلكات الخاصة وبث الخوف والرعب بين المواطنين وزعزعة السلم الأهلي كله، ويؤثر على الاقتصاد والمواطنين والأمن العام.

يقول الأطرش لصحيفة "فلسطين": هذه الظاهرة مقلقة وتتمادى بسبب سطوة العشائر ووجود سلاح بيدهم خاصة العائلات الكبيرة، في ظل عدم قدرة السلطة على السيطرة على العشائر وعلى حالة الفلتان الحاصلة، وعدم بذلها جهودًا من أجل وضع حد للظاهرة، لكونها المسؤولة عن جمع السلاح غير القانوني ومحاربة الظاهرة وفرض عقوبات رادعة.

وعن غياب القانون، يبين الأطرش أنه لا توجد عقوبات رادعة ولا يتم اعتقال المتسببين بالاعتداء ولا يتم جلبهم للقضاء وإذا تم جلبهم يتم إخلاء سبيلهم بكفالات نتيجة ضغط العشائر، مردفا: "نعيش حالة من الاستقواء العشائرية وضعف الأجهزة والسلطة بشكل عام وإذا لم يتم وضع حد لها ستتجه الأمور نحو الأسوأ".

بالتالي باتت ظاهرة الفلتان، حسبما يذكر الأطرش، تؤثر على الحياة الاجتماعية في الخليل، وعلى حياة وأمن واقتصاد الناس، وهناك عائلات تتضرر نتيجة السلوكيات الحاصلة.