المقبرة اليوسفية: الفلسطيني مطارد حيًّا وميتًا

...
د. زهرة خدرج - كاتبة وروائية فلسطينية

 

سبقتها أماكن كثيرة منها مقبرة مأمن الله، التي جرَّفوها، ونبشوا قبورها، واختزلوا مساحتها إلى 10 دونمات من أصل 200 دونم؛ لإقامة مشاريع تهويدية وسياحية: حديقة كبيرة أطلقوا عليها اسم "حديقة الاستقلال" وفندق ومقاهٍ ومطاعم ومتحف سموه للمفارقة بمتحف "التسامح"! ومقبرة باب الرحمة، وأزال مقابر 39 قرية مقدسية مهجرة عام 1948 عن الوجود، وأنشأ بدلًا منها "خمارات" وإسطبلات خيول.. والآن حان دور المقبرة اليوسفية. 

التعديات على المقبرة اليوسفية ليست وليدة اليوم، حالها حال كل ما هو إسلامي في القدس، إذ يجري طمس تاريخ المدينة المقدسة وطابعها العربي الإسلامي الأصيل.. تاريخ من الانتهاكات بدأ مع احتلال مدينة القدس وما يزال مستمرًّا حتى اللحظة ولا أظنه يتوقف إلا بزوال الاحتلال، وكأن بين المحتلين وبين كل أثر يدل على إسلامية هذه الأرض وعروبتها أبًّا عن جدٍّ ثأر قديم يتربصون باللحظة المناسبة لأخذه.

تقع اليوسفية في الزاوية الشمالية الشرقية لباب الأسباط، وهي مقبرة إسلامية يعود تاريخها لمئات السنين، إلى الدولة الأيوبية تحديدًا، ومعظم القبور فيها قبور جماعية (فستقيات)، رغم وجود قبور فردية، وتضم رفات تابعين وصالحين وعلماء ومقاتلين وشهداء وقضاة وأطباء وشيوخ وكثير من سكان مدينة القدس وأهلها، ويوجد مدافن كبيرة للعديد من عائلات القدس في هذه المقبرة. 

في البداية بدأ التعدي على المنطقة الشمالية من المقبرة، ففي سنة 2014 قامت بلدية الاحتلال بإغلاق أكثر من 40 قبرًا بالباطون لمنع الدفن فيها، وفي نيسان 2015 قامت ثلاث فتيات "إسرائيليات"، برسم نجمة داود على أحد المدافن، وكتبن جملةً بالعبرية معناها بالعربية دفع الثمن، وفي عام 2017 جرفت قوات الاحتلال جزءًا كبيرًا من أرض المقبرة واقتلعت أشجارها وقامت بتخريب المنطقة الجنوبية، وفي عام 2018 تعرضت بعض القبور لانتهاكات بالكتابة عليها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد قبل أيام إلى هدم درج وسور المقبرة، ثم طالت التعديات شمال المقبرة المسمى بصرح الشهداء ونصب الجندي المجهول "للجنود الأردنيين الذين استشهدوا عام 1967"، وأقدم على إزالة 20 قبرًا منها. 

والآن بلغت التعديات والانتهاكات الذروة إذ شرعت بلدية الاحتلال في القدس، وسلطة الطبيعة والحدائق، في تجريف جزء من المقبرة، تمهيدًا لتحويلها إلى حديقة توراتية ضمن مشروع تهويدي كبير "ما حول أسوار القدس" الذي يتضمن أيضًا قطار هوائي "تلفريك" ومسارات واستراحات.. أما حجة بلدية الاحتلال فكانت: "تجري أعمال تجريف في متنزه محدد كمنطقة عامة مفتوحة للجميع، وليس كمقبرة". وادعى مسؤول من الكيان المحتل أيضًا أنه "لم ولن يتضرر أي قبر في أثناء الأشغال، ولا يوجد أي نية لإخراج أي قبر من مكانه إذ تُفَّذ أعمال التطوير بأقصى قدر من الحساسية"!

والحدائق التوراتية أماكن تزعم دولة الاحتلال، أن وجودًا يهوديًّا كان فيها في الأزمان القديمة.

الاحتلال ومنذ اللحظة الأولى لوجوده على أرض فلسطين يسابق الزمن في الاستيلاء على الأرض ومحو معالمها وغرس الآثار اليهودية التوراتية فوق تربها، كما يفعل في سلوان في وادي الربابة ووادي حلوة وبطن الهوى ويدَّعي أنها أرض توراتية وليست إسلامية، والشيخ جراح وواد الجوز والمصرارة وكل شبر في فلسطين.

قضية المقبرة اليوسفية ليست قضية مقبرة تضم رفات أموات رحلوا في أوقات متفاوتة.. بل هي قضية وجود للفلسطيني، وقضية سرقة لأرض مقدسة يقوم بها الاحتلال جهارًا نهارًا على مرأى ومسمع الجهات الرسمية الفلسطينية، والجهات الرسمية الأردنية التي تتبع لها أوقاف القدس، ودون أن نرى "ولو على سبيل التظاهر ليس إلا" تهديدًا بقطع وإيقاف علاقات السلطة الفلسطينية والسلطات الأردنية مع الاحتلال أو إلغاء الاتفاقيات المبرمة معهم مثل اتفاقية أوسلو واتفاقية وادي عربة اللتان أثبتتا فشلهما الذريع في الحفاظ على الحقوق الفلسطينية والأردنية من محتل فاجر متغطرس نهم لا يشبع أبدًا، ولا يُلقي بالًا لغير مصالحه وحاجاته.