فلسطين أون لاين

وعد بلفور تاريخ غارق بالدماء

 

لا شك أن التاريخ لن يسجل في أكثر أسفاره سوادا أفدح خطبا من "وعد بلفور"، هذا الوغد الذي منح ما أضحى واقعا بشعا منكرا تتجاوز سنيه اليوم سبعة عقود. وريقة منحتها حكومة السفاحين الاستعماريين فيما كان يدعى "بريطانيا العظمى"، التي تحولت إلى كيان عنصري كولونيالي تقطر من جنباته ولما تزل دماء الأبرياء العزل، تلك التي سفكت بكل الوحشية ليس فقط في فلسطين المحتلة، وإنما على طول الدنيا وعرضها في آسيا وإفريقيا وأمريكا بكل امتداداتها الشمالية والوسطى والجنوبية وحتى التي نزفت في القارة الأم أوروبا في إيرلندا وفي حروب الجشع البينية.

لقد تقاطعت مصالح الغرب الاستعماري والاستيطاني مع أضغاث أحلام تلك البدايات التي راودت مخيلات عدد من الرأسماليين الطامحين الطامعين من الغربيين الصهاينة ليكن نتاج هذا كله نبتا شيطانيا لم يزل يدب على الأرض الطيبة في فلسطين المحتلة.

لقد بدأت الفكرة الصهيونية فرنسية المنشأ حين خططت الإمبراطورية الفرنسية للذهاب شرقا نحو المياه الدافئة، ولكنها سرعان ما انكفأت دون أن تخمد حين تحركت الحزر البريطانية الصاعدة التي توحدت بالهيمنة الانجلوسكونية حتى تشكلت "بريطانيا العظمى "فكانت "المملكة المتحدة"، وبدأ الصراع بين الجارتين واستشرى التنافس حتى هدأ وقد تمكنت بريطانيا من ركوب البحار بأسطولها العسكري الضخم والجشع بالانتشار في كل اتجاه نحو الشرق والغرب، شمالا وجنوبا، وقد سيطرت على البحار والمحيطات فامتدت مستعمراتها لتحتل مساحات واسعة من آسيا وإفريقيا وبعيدا هناك لتحتل الولايات المتحدة الأمريكية!

إن من يطالبون اليوم بريطانيا بالاعتذار للشعب الفلسطيني وبالاعتراف بالدولة الفلسطينية على أقل من ربع مساحة فلسطين، تكفيرا عن كل الكوارث والخطايا والدماء الزكية التي سفكت بالأمس وحتى الغد وعن تدمير شعب حي حضاري بتمزيق نسيجه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي ومستقبله ونهب خيراته وأرضه وإلقائه هكذا على قارعة التاريخ، إنما لا يرون أبعد من أنوفهم، لأن ما فعلته بريطانيا "الكانت" عظمى والديمقراطية المتطورة على كوكبنا المدهش، لن تغسله محيطات الدنيا ولا أمطار الفصول لكل الشتاءات وتلك الهطولات الموسمية حتى يرث رب البرية الأرض وما عليها!

لقد قدمت بريطانيا وعن سابق تخطيط وتصميم لجريمتها وبالشراكة مع فرنسا اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 تمهيدا فعليا وعمليا لتقسيم الأمة العربية وبدْء العد التنازلي لقيام الكيان الاستيطاني على التراب الوطني الفلسطيني، وقد أنتج "وعد بلفور" بعد ذلك بعام، ثم في تقدم قوات الاحتلال البريطانية للسيطرة على نصيبها في فلسطين في مثل يوم أمس 2 تشرين الثاني لعام 1917، حتى نجحت في احتلال كامل فلسطين عام 1922.

وتبدأ حرب الإبادة العرقية للوجود المادي للشعب الفلسطيني بأشكال متعددة، من نهب للأرض والممتلكات وتمكين عصابات الصهاينة المسلحة من حيازة جل الأراضي الأميرية والاستيلاء بقوة النار وإسناد جيش الاحتلال البريطاني على عشرات الآلاف من الدونمات وتشجيع السماسرة لعديد العائلات العربية التي كانت تقطن فلسطين أيام بلاد الشام التي كانت تحت الحكم العثماني قبل التآمر عليه وهزيمته في الحرب العالمية الأولى على بيع أراضيهم.

لقد سلحت بريطانيا ودربت عشرات الآلاف من منتسبي العصابات المسلحة الصهيونية حتى قفز تعدادهم إبان معارك احتلال فلسطين ما يزيد على 100 ألف والذي كان ضعف عدد الجيوش العربية التي ادعوا أنها زحفت لتحرير فلسطين والتي كان قرار دخولها صادر عن بريطانيا ومهامها كانت تتلخص في هدفين: حماية حدود التقسيم ونزع سلاح المجاهدين الفلسطينيين والعرب الذين كان جلهم من حركة الإخوان المسلمين الذين هبوا لنصرة الشعب الفلسطيني دفاعا عن أرض قبلة المسلمين الأولى وبوابة السماء.

كما أسهمت بريطانيا في استقدام عشرات الآلاف من المستوطنين اليهود من أركان الأرض الأربعة، وكان دورها حاسما قبل وبعد قرار التقسيم 181 لعام 1947 في تقديمه ودعمه في الأمم المتحدة تمهيدا لقيام كيان الصهاينة، وجاءت بالكتيبة البريطانية اليهودية التي قاتلت في الحرب العالمية الثانية والعديد من طياريها وطياري مستعمرتها في ذاك الحين في نظام جنوب إفريقيا، واستمر ذلك حتى إعلان انسحاب القوات البريطانية من فلسطين إيذانا بقيام كيان الاحتلال عام 1948.

أيام لها تاريخ، نستذكرها اليوم لنأخذ منها العبرة والدروس الثقيلة التي مكنت فيه بريطانيا العصابات الصهيونية من احتلال فلسطين، هذا التاريخ الدموي الذي تسلمت زمام أمره الولايات المتحدة الأمريكية منذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي وبعد العدوان الثلاثي الغادر على الشقيقة مصر والذي لم يتوقف فصولا وحتى اليوم.

تاريخ حافل بالتآمر ومعارك الكر والفر يثبت فيه الشعب الفلسطيني المرابط الصامد أنه جمل المحامل وأنه لم يزل يتابع طريقه ولم تثنه الجراح والخيانة والغدر من العربان وبني الجلدة وأنه ماضٍ قُدما يواجه طوفان العدوانات وبمقاومته العظيمة يتابع طريقه لا يلوي على شيء، يراكم نقاط القوة ثابتا، متقدما من انتصار إلى آخر، ولن يكون آخرها نصر معارك "سيف القدس" التي تعلن جهارا نهارا أن الأقصى أضحى على مرمى حجر.