تقرير اقتحام جنود الاحتلال البيوتَ يصيب الأطفال بصدمات نفسية عنيفة

...
وداع الكاتبة لمى خاطر لطفلها أثناء اعتقال (أرشيف)

 

غزة/ مريم الشوبكي:

طرق جنود الاحتلال باب البيت بعنف شديد اهتز معه شباك غرفة الأطفال، كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة فجرا، فزعت روز من الصوت الذي خلع قلبها، وتسمرت في مكانها ترتجف، أما حور فشدت الغطاء على رأسها وأجهشت بالبكاء.

حور وروز طفلتا فخر الرنتيسي الذي اقتحم جنود الاحتلال بيته في قرية رنتيس شمال غرب رام الله، في 21 من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لاعتقاله بسبب صورة له برفقة ابنته في المسجد الأقصى، متهمين إياه بدخول (إسرائيل) دون تصريح.

فخر الذي أُفرج عنه بعد ثلاثة أيام من الاعتقال، لم تفارقه صورة ابنته روز ذات السبعة أعوام وهي ترتجف من الخوف حينما همّ باحتضانها وتوديعها، ولم تستطع الوقوف على قدميها.

يقول فخر لـ"فلسطين": "حينما اقتحم الجنود البيت وضعوا بناتي الثلاث مع زوجتي في غرفة، واحتجزوني في غرفة أخرى وحدي، وقبل اقتيادي خارج البيت اتجهت فورًا إلى بناتي لاحتضانهن وكن في حالة رعب شديدة".

ويردف: "أما حور ذات التسعة أعوام فكانت مختبئة وهي تبكي تحت غطائها، في فترة اعتقالي كانتا تبكيان وتخافان النوم بغرفتيهما، روز كانت تستيقظ ليلا تختبئ في حضن والدتها لكي تستطيع النوم".

وسبق لـ"فخر" أن تعرض للاعتقال أكثر من مرة قبل زواجه، لكنها المرة الأولى التي يعتقل فيها بعد زواجه، ليشاهد الرعب يملأ عيون أطفاله.

ويشير إلى أن خوف طفلتيه من النوم في غرفتيهما استمر عشرة أيام، والتخلص من الآثار النفسية التي تركها الاقتحام فيهما ليس بالأمر اليسير.

أول ما فعله فخر بعد خروجه من السجن هو اصطحاب طفلتيه لمدينة الملاهي، لكي يمحو آثار الرعب الذي عاشتاه لحظة اقتحام جنود الاحتلال للمنزل شيئا فشيئا.

ويبين أنه يحاول الحديث مع طفلتيه لسؤالهما عن مشاعرهما، والإنصات جيدا لمخاوفهما باستمرار، من أجل الأخذ بيدهما نحو التفريغ النفسي، وإرجاع الطمأنينة إلى قلبيهما.

محمد يرفض الحديث

أما محمد الأعرج (6 أعوام) وهو ابن الأسير علاء، فقد أصيب بصدمة نفسية توقف على أثرها عن النطق لبضعة الأيام، وما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.

حاولت "فلسطين" الحديث مع محمد لسؤاله عن مشاعره لحظة اعتقال والده، لكن ذلك لم يتم، إذ يرفض الحديث لأحد.

تقول الأم أسماء قزمار لـ"فلسطين": أصيب محمد بحالة نفسية صعبة منذ لحظة اعتقال والده، واعتداء جنود الاحتلال عليه بالضرب الوحشي أمام عينيه.

وتضيف أن محمد عاش فترات صعبة في حياته، فوالده يعتقل على الدوام، وهذا المشهد يتكرر أمامه، ولم يعش في كنف والده منذ ولادته سوى عام ونصف العام لمدد متقطعة، لذا لا يستطيع إدراك ما يحدث، ولماذا يفعل الاحتلال بأبيه كل تلك الأفاعيل.

وتحاول قزمار الحديث مع ابنها محمد باستمرار، لإخراجه من الصدمة النفسية التي يعيشها، وإخباره بالحالة الصحية لوالده، الذي يخوض إضرابًا مفتوحًا عن الطعام، من أجل انتزاع حريته والعودة إلى البيت.

وتبين أنها دائما تذكر طفلها أن أباه بطل عظيم يدافع عن وطنه وأرضه، لكي تعيد إليه الثقة وتمنحه الأمان والاطمئنان بأن والده بخير.

آثار نفسية شديدة

بدوره يقول المختص في شئون الأسرى، الاختصاصي النفسي فؤاد الخفش: "عمليات الاعتقال والاقتحام التي تستهدف البيوت تكون سريعة جدا، إذ مطلوب من الجنود تنفيذها في دقائق قليلة، وفي أحيان يطرقون الأبواب بقوة، أو يفجرون الأقفال على الفور".

ويتابع الخفش لـ"فلسطين": "صوت الاقتحام أو تفجير الأبواب مرعب للغاية ليس للصغار فقط بل للكبار أيضا، ويترك آثارا نفسية شديدة عليهم على المستويين القريب والبعيد أيضا".

ويبين أن الأطفال تسيطر عليهم حالة الرعب لمدة لا بأس بها، ولا سيما في ساعات الليل وفي أثناء النوم، وقد يصابون بالتبول اللاإرادي، وملازمة أمهاتهم في أثناء النوم، ورفضهم المبيت في غرفهم الخاصة.

وينصح الخفش بالاستعانة باختصاصي نفسي، واستدعاء دور المرشدة التربوية والاجتماعية في المدرسة للحديث مع الأطفال، لبث الطمأنينة في نفوسهم، وتأكيد الدور البطولي لآبائهم.

وينبه إلى ضرورة احتضان الأطفال الدائم، والمبيت معهم في الأيام الأولى بعد الاقتحام والاعتقال لإعطائهم الأمان، ودعوتهم إلى التعبير عن مشاعر الخوف بداخلهم لممارسة التفريغ النفسي معهم.

وسبق لمنظمات حقوقية أن وثقت في تقرير لها في ديسمبر/ كانون الأول 2020، حالات إصابة باضطرابات النوم والقلق المفرط، التي تجلت في صعوبة الاسترخاء، واليقظة المستمرة، لدى بعض الفلسطينيين الذين اقتُحمت منازلهم.

وأبلغ الشهود تلك المنظمات، ومن بينها: "ييش دين"، و"كسر جدار الصمت"، و"أطباء من أجل حقوق الإنسان" عن أعراض اضطرابات الاستيقاظ والنوم لدى الأطفال والمراهقين الذين اقتُحمت منازلهم، إلى جانب أعراض القلق وزيادة الاعتماد على الوالدين وظهور السلوك العدواني.

وتقول طبيبة نفسية ومتطوعة في جمعية أطباء من أجل حقوق الإنسان: "في معظم الحالات، يمارس الجنود العنف اللفظي أو الجسدي أيضًا، الذي يمكن أن يؤدي إلى اضطراب ما بعد الصدمة، ويثير الكوابيس واضطرابات النوم وضعف الأداء في جميع مجالات الحياة، وقد يؤدي إلى الانتحار".