تقرير المحررة أبو كميل: كلمة "ماما" من طفلي أنستني وجع سنوات الأسر

...

 

لا ينفك أطفال الأسيرة المحررة نسرين أبو كميل يحتضنونها ويحدقون بها طويلًا، بنظرات لا تكاد تصدق حلمًا بدا أمامهم حقيقة، بعد أن انتزع الاحتلال الإسرائيلي قلوبهم بسجن والدتهم على مدى ست سنوات، عاشوها دون معنى للحياة، وغدا خلالها الطفل الرضيع أحمد على أبواب الدراسة.

والأسيرة المحررة نسرين أبو كميل من مواليد 5 تموز (يوليو) 1975 في مدينة حيفا بالداخل المحتل، خريجة هندسة حاسوب، وعملت مديرة حسابات. 

متزوجة حازم أبو كميل منذ عام 2000، إذ تعارفا خلال عمله داخل الأراضي المحتلة قبل اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، وتزوجها وانتقلت إلى الإقامة معه في غزة، لكنها دأبت على زيارة ذويها في حيفا حتى اعتقالها.

كمين الاعتقال

كان يوم 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2015 علامة فارقة في حياتها، اضطرت فيه للذهاب إلى حاجز بيت حانون (إيرز) شمالي قطاع غزة، لتسلم تصريح عمل زوجها للدخول إلى الأراضي المحتلة عام 1948.

لم تعلم أبو كميل أن هذا الاتصال الهاتفي الذي تلقته من مخابرات الاحتلال للحضور وتسلم التصريح سيبعدها عن فلذات أكبادها مدة ستة أعوام، تجرعت خلالها الويل والضيم.

تتابع أبو كميل لـ"قدس برس" حكاية اعتقالها: "فور وصولي إلى النقطة الإسرائيلية في الحاجز تفاجأت بإدخالي إلى غرفة التحقيق، واتهامي بمساعدة المقاومة الفلسطينية، وجمع معلومات عن أهداف أمنية في الداخل المحتل، بحكم حصولي على الهوية الزرقاء (الإسرائيلية)، لأنقل بعدها إلى مراكز التحقيق في عسقلان".

وتضيف: "أنكرت تلك التهم، مع ذلك أخضعت لتحقيق قاسٍ، استمر مدة 31 يومًا في سجن "عسقلان" السيئ الصيت والسمعة، على أيدي ضباط مخابرات الاحتلال".

لكن تاريخ 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2018 كان يومًا مصيريًّا -تضيف أبو كميل- إذ كنت على مفرق طرق: إما العودة إلى البيت والأولاد، أو مواجهة السجن والمصير المجهول، بعد عرضي على المحكمة العسكرية الإسرائيلية.

وتسرد أبو كميل تلك اللحظات، وتقول: "وجهت لي المحكمة تُهمًا عديدة، منها تصوير وزارة الداخلية الإسرائيلية، وسكة القطار ومركز شرطة حيفا وميناء حيفا، وجمع معلومات عن مواقع وأهداف أمنية إسرائيلية لمصلحة فصائل المقاومة، ليصدر الحكم بالسجن مدة ست سنوات، الذي نزل علي كالصاعقة، وعلى قساوته بقيت صامدة".

وتصف حكايا الأسر: "أيامه ثقيلة مرّت علي ببطءٍ شديد، تركت جرحًا غائرًا، ما بين الحنين لعائلتي، وقسوة السجن والسجان، عشت خلالها ظروف اعتقال صعبة، وأنا أعاني عدة أمراض، إلا أن أصعب شيء كان حرماني زيارة أبنائي وزوجي طيلة وجودي بالمعتقل".

وللمحررة سبعة أبناء، وهم: فِراس (19 عامًا)، وفارس (18 عامًا)، وأميرة (17 عامًا)، وملَك (15 عامًا)، ودالية (13 عامًا)، ونادين (9 أعوام)، وأحمد (7 أعوام).

تقول نسرين: "كنت أقوم بأشغال يدوية لجميع مناسباتهم، وأخبرهم في رسائل أني غزلت لهم شيئًا، أو صنعت لهم هدية بمناسبة عيد ميلاد أحدهم أو تخرجه، أرسلت إحداها مع أسيرة من غزة أفرج عنها".

أما عن صعوبات الحياة داخل سجون الاحتلال فتشدد نسرين على أن حياة السجن "صعبة عمومًا"، لافتة إلى حسرة الأسيرات على ذهاب كل هذه السنوات هباء.

وتتابع: "نحن الأسيرات نمضي أوقاتنا في تلاوة القرآن وقراءة الكتب ومراجعتها، وسنوات السجن جعلتني أكثر قوةً وقربًا من المولى والتزامًا بالعبادة"، معربة عن سعادتها بتمكنها من حفظ 25 جزءًا من القرآن الكريم خلال مدة أسرها.

الخروج من الأسر

وبعد ست "سنين عجاف" خرجت نسرين أبو كميل في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، وقد بنت أحلامًا كبيرة بالحرية، ورؤية أطفالها، خاصة أحمد الذي دخلت إلى السجن وهو في سن ستة أشهر.

إلا أن تعنت الاحتلال - حينها - لم يجعل فرحتها تكتمل وسط مماطلة بدخولها غزة حيث أبنائها وزوجها أو تذهب إلى حيفا مسقط رأسها، فاختارت غزة.

وعن سبب تعنت الاحتلال في دخولها إلى غزة، والغرامة المالية التي فرضت عليها، تبتسم أبو كميل وتقول بشموخ: "كنا يومها جالسات فإذا السجانون يدخلون علينا يريدون تفتيشنا، ومع مقاومة السجانين حملت التلفاز وضربته برأس أحدهم، ففرض علي غرامة 4000 شيقل (1250 دولارًا) بديلًا عن ذلك التلفاز".

وحسب إفادة الأسيرة المحرّرة إنّ أوضاع الأسيرات والأسرى داخل السجون صعبة وقاسية جدًّا، مع الإجراءات والانتهاكات الإسرائيلية غير المسبوقة بحقهم خلال المدة الأخيرة، فضلًا عما تشهده السجون من مواجهة بين الحركة الأسيرة ومصلحة السجون.

فرحة لا توصف

تبين المحررة أنّ فرحتها لا توصف بعد أن تمكّنت من احتضان زوجها وأطفالها بعد 6 سنوات قضتها في الأسر، تركت خلالها عائلتها، وطفلها الأصغر أحمد رضيعًا، ومُنعت من لقاء جميع أفراد عائلتها.

وتضيف: "عادت الفرحة لتعمّ المنزل، وأشرقت حياتنا من جديد".

أبو كميل التي لم تعتد الحرية بعد أن استيقظت صباح أول يوم في بيتها ووسط أطفالها، لتصيح بعالي صوتها: "على العد بسرعة"؛ لم تنتبه أنها أصبحت بين أحضان وكنف عائلتها.

احتضنت طفلي أحمد حتى كادت أضلاعه تختلط معًا -تتابع الأم- كانت فرحتي الكبرى عندما قال لي (ماما)، تلك الكلمة أنستني وجع ست سنوات أمضيتها داخل سجون الاحتلال.

وتوضح أنها دخلت السجن بكامل عافيتها وصحتها، لكن ظروف السجن القاسية والتعذيب جعلاها تعاني عدة أمراض، منها السكري، والضغط، وكتلة في الصدر أجريت لها عملية جراحية لاستئصالها، إضافة إلى كسر في يدها اليمنى، في إثر عراك لها مع السجانة لمنع أخذ أسيرة إلى التحقيق.

المصدر / فلسطين أون لاين