اعتراف على استحياء

ارتعدت فرائص وزير التنمية في رام الله أحمد مجدلاني، عقب سماعه تصريحًا لوزيرة الخارجية السويدية آن لينده، يشير إلى إمكانية منع الدعم عن الشعب الفلسطيني بسبب استشراء الفساد في أروقة سلطته الحاكمة، هو لم يتأثر بكلمة الفساد بقدر تأثره بمنع الدعم، فتخبّط وضرب أخماسًا في أسداس، لدرجة أنه اتهم راديو السويد الذي نقل الخبر بأنه تابع لحركة حماس.

وبعيدًا عن تخبُّط مجدلاني والسلطة من تصريح المسؤولة السويدية، فقد حمل هذا التصريح درجة من الخطر على ثلاثة اتجاهات؛ الاتجاه الأول: أنه جاء بعد زيارة أجرتها لدولة الاحتلال بعد سنوات من القطيعة بين الجانبين، وعليه فمن المحتمل أن يأتي هذا التصريح مقدمة لسياسة جديدة يتخذها أعضاء في الاتحاد الأوروبي في قطع المساعدات عن الشعب الفلسطيني لإرضاء الاحتلال، والاتجاه الثاني: أن هذا الموقف جاء بعد تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية لعام 2020، في الضفة الغربية المحتلة الذي أظهر فسادًا ماليًّا وإداريًّا مستشريًا في أوساط المؤسسات الحكومية، وعليه قد يجر هذا الموقف مواقف دول داعمة أخرى، فتمنع دعمها للكل الفلسطيني بذريعة فساد السلطة الحاكمة.

أما الاتجاه الأخطر -من وجهة نظري- فأن يكون هذا الموقف خطوة أولى من دول الاتحاد الأوروبي لوقف الدعم عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، متذرعة بفساد المؤسسات الفلسطينية، ليكون موافقًا لرغبات دولة الاحتلال في إنهاء وكالة الأونروا الشاهد الوحيد على معاناة اللاجئين الفلسطينيين.

لكن لو نظرنا إلى الجزء المملوء من الكأس، فإن موقف الوزيرة السويدية يُعد اعترافًا ضمنيًّا بأن السلطة الفلسطينية أضحت غير جديرة بتمثيل الشعب الفلسطيني داخليًا؛ ما قد يعكس عدم جدارتها بتمثيله خارجيًا، على عكس فصائل المقاومة في غزة التي انتزعت شرعيتها بأظفارها وبسلاحها الذي رسم خارطة سياسية جديدة بعد صمودها في معركة سيف القدس، واستمرار حفاظها على الجنود الإسرائيليين لديها، بعيدًا عن أي مناكفات من الاحتلال الذي حاول ربط قضية الأسرى بفك الحصار عن القطاع قبل أن يستسلم أمام إصرار المقاومة، حتى بات الحديث عن صفقة جديدة يتصدر وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، وكأنها أمر واقع لا محالة.

كما أن غزة بمقاومتها فرضت نفسها أمرًا واقعًا على الخارطة السياسية الإقليمية والدولية؛ الأمر الذي جعل البرلمان العربي الذي يضم 20 دولة عربية بجيوشها ورؤسائها ووزرائها يطالب ما أسماه "الجانب الفلسطيني" بتضمين ثلاثة عشر أسيرًا أردنيًا لدى الاحتلال في أي صفقة تبادل أسرى مقبلة.

وإذا جئنا لتفصيل هذه المطالبة، فسنرى أن البرلمان العربي جهة رسمية، ومن المفترض أن يطالب بتضمين الأسرى الأردنيين من (السلطة الفلسطينية) باسمها على اعتبار أنها الجهة الرسمية لديه، ولكن لعلمه المسبق أن السلطة لا تملك سلطة لا على صفقة تبادل ولا على أسرى ولا حتى على مرورها بين المدن الفلسطينية، لم يطالبها بذلك، لأنه لو طالبها فسيضع نفسه ويضعها في موقف سخرية لا يحسدان عليه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه من المعلوم أن الجهة المخوّلة في الحديث عن قضية الأسرى هي المقاومة في غزة، ولكن يبدو أن البرلمان العربي استحى أن يطالب المقاومة باسمها ولديه هذا العدد الكبير من الجيوش والمعدات الحربية التي أكلها الصدأ في المخازن، واكتفى بذكر "الجانب الفلسطيني"، وكأنه اعتراف على استحياء بأن المقاومة هي الأجدر بتمثيل الفلسطينيين محليًا وعربيًا ودوليًا.

واستنادًا إلى ما سبق، يمكن لفصائل المقاومة بغزة البناء على هذه المواقف الجديدة على الساحة الدولية والعربية في التعامل مع القضية الفلسطينية، وعليها أن تتمسك بسلاحها أكثر، وتستثمر شرعيتها الثورية في فرض نفسها على كل الأطراف، وأن تستعد لتكون بديلًا عن "السلطة الفاسدة" في كل المحافل.

غير أن هذا الأمر ليس سهلًا، ويحتاج منها أن تبذل جهودًا كبيرة لتحقيق هذا الأمر: جهودًا داخلية من خلال تمتين حاضنتها الفلسطينية، وجهودًا خارجية من خلال الجاليات الفلسطينية في الخارج والدول الصديقة، لجلب الدعم السياسي، لأن هذا العالم يؤمن أن الحق هو الأمر الواقع، في حين لا يلقي بالًا للضعفاء.