أطفال غزِّيون يستعيدون سمعهم بجهود محلية وتمويل قطري

...
غزة/ أدهم الشريف:

تنظر ريهام علوان إلى طفلتها غيداء البالغة عامين وثمانية أشهر، بنظرة حب وأمل معًا بأن يخلصها الله من ضعف السمع الشديد الذي رافقها منذ ولادتها، بعد إجرائها عملية زراعة قوقعة، أمس، على يد وفد طبي قطري فلسطيني، وبتمويل من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية.

وأول ما تتطلع إليه ريهام، أن تسمع من طفلتها وهي تناديها "ماما"، وأن تصبح قادرة على التعامل معها كبقية إخوانها وأخواتها الأربعة، بدلاً من لغة الإشارة التي تستخدمها، وبالكاد قادرة على فهمها.

وبسبب الضعف الشديد في السمع، لا تقدر غيداء على لفظ الكلام بصوتٍ مفهوم.

تجلس الطفلة ولا تدري ماذا يدور من حولها على أحد أسرة العلاج في مستشفى القدس، جنوب مدينة غزة، حيث تجري هناك العمليات، وتغطي اللفافات والضمادات رأسها بعد مكوثها أكثر من 3 ساعات في غرف العمليات، في مشهد انتظرته العائلة منذ سنوات أملاً بحصول طفلتهم على فرصة لزراعة قوقعة.

وتقول والدة الطفلة: إن تكلفة زراعة القوقعة تصل إلى عشرات آلاف الدولارات، وهذا ما لا نقدر عليه، لذلك انتظرنا فرصة زراعة قوقعة من البرنامج الطبي الممول قطريًا.

وتشير إلى أن طفلتها تعاني منذ ولادتها ضعفًا شديدًا في السمع بنسبة تفوق 90 بالمئة، وبعد إجراءات الفحوصات اللازمة في مستشفى الأمير حمد بن خليفة آل ثاني للتأهيل والأطراف الصناعية بغزة، أقر الأطباء حاجتها إلى قوقعة.

وجاء الوفد الطبي لغزة قبل أيام للبدء بمرحلة جديدة من برنامج زراعة القوقعة تشمل زراعتها لـ 50 طفل من ذوي الإعاقة السمعية، وفق أحدث المواصفات العالمية المعتمدة في دولة قطر نفسها، وذلك بعد توقفها أكثر من سنتيْن.

وبدأ الأطباء إجراء عمليات زراعة القوقعة منتصف هذا الأسبوع، بواقع 8 حالات في اليوم الواحد، وصولاً إلى 50 عملية زراعة.

ويشارك جراحون فلسطينيون وقطريون في زراعة القوقعة، ضمن عمليات المرحلة التاسعة من البرنامج القطري، وبإشراف وفد طبي قطري متخصص في هذا النوع من العمليات.

وبحسب رئيس الوفد الطبي القطري د. خالد عبد الهادي، فإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، تبرعت بـ 50 جهاز قوقعة لأطفال غزة، وهؤلاء الأطفال هم حقًا بحاجة لها ويستحقونها.

ونبَّه عبد الهادي وهو نائب رئيس مستشفى سمو الأمير حمد بن خليفة آل ثاني للتأهيل والأطراف الصناعية بغزة لـ "فلسطين"، إلى أن البرنامج القطري لزراعة القوقعة يرأسه عضو مجلس إدارة الهلال الأحمر القطري والمدير العام لقطاع الشؤون الطبية عن خطط الهلال الأحمر د. عبد السلام القحطاني، وهذا البرنامج مخصص لإعانة المرضى في غزة الذين يعانون ضعفًا شديدًا في السمع، ويحتاجون إلى زراعة قوقعة، وأيضًا لتدريب الكوادر الغزية على إجراء هذا النوع من العمليات بتقنيات عالمية.

وبيَّن عبد الهادي أن الوفد الطبي القطري خلال زياراته السابقة لغزة درب أطباء متخصصين بغزة على إجراء عمليات مماثلة، وأصبحوا قادرين على زراعة قوقعة بمهارة عالية، واليوم الأطباء الغزِّيون يجرون العمليات تحت إشراف الوفد القطري.

وأكد أن تنمية قدرات الأطباء بغزة هدف أساسي للوفد القطري مع دعمهم بأحدث التقنيات والخدمات الطبية.

تكلفة عالية

وذكر عبد الهادي أن زراعة القوقعة عملية مكلفة جدًا، ليس في غزة فقط بل في دول العالم، إذ إن أنظمة دولية لا تقدر على توفير هذا النوع من العمليات الجراحية بسبب ارتفاع تكلفتها.

وبيَّن أن 3 شركات حاصلة على رخصة صناعة القوقعة، إحداها أمريكية والثانية نمساوية والأخرى أسترالية، تصنع أفضل أنواع أجهزة القوقعة على مستوى العالم، وصناعتها في هذا المجال معتمدة دوليًا.

ونبَّه إلى أن قطر تتعامل مع الشركات الثلاث، وهي عالمية ورائدة في تصنيع القوقعة، وهن: شركة "Advanced Bionics" الأمريكية، و"ميدل" النمساوية، و"ككلير" الأسترالية.

وبيَّن عبد الهادي أن القواقع التي رُكِّبت في مراحل سابقة من صنع الشركتين الأمريكية والنمساوية، أما أجهزة القوقعة التي تُركّب حاليًا من صنع الشركة الأمريكية، وهي عالية الكفاءة والجودة وأحدث ما صنعته الشركة.

وشركة "Advanced Bionics"؛ رائدة عالميًا في مجال ابتكار أحدث أنظمة غرسات القوقعة الصناعية في العالم، وهي تعمل على تطوير تقنية غرسات القوقعة الصناعية التي تعيد حاسة السمع لمن يعانون فقدان السمع المتراوح بين الحاد والحاد جدًا.

وتصل تكلفة الجهاز الواحد من القوقعة لقرابة 32 ألف دولار أمريكي، لكن الوفد الطبي القطري استطاع الحصول عليها بسعر مخفض لشرائه كمية من الشركة الأمريكية، ولأن الأجهزة ذاهبة لغزة التي تعاني ظروفًا اقتصادية صعبة بسبب الحصار الإسرائيلي.

وأشار عبد الهادي إلى أن تكلفة الجهاز الواحد لغزة، بلغت أكثر من 18 ألف دولار.

ولفت إلى أن أجهزة القوقعة في الواقع تحتاج إلى قطع غيار احتياطية، وهذا يتطلب من المرضى وذويهم الحفاظ قدر الإمكان على أجهزة القوقعة، مبينًا أن زراعة القوقعة لا تعني تركيب الأجهزة فقط، بل الحفاظ عليها لضمان الاستفادة منها بالشكل المناسب ولفترة أطوال خاصة أن تكلفتها مرتفعة جدًا.

ونبَّه رئيس الوفد الطبي القطري، إلى إنشائه ومجموعة من الأطباء صندوق إعانة المرضى في مستشفى حمد، ويهدف إلى جمع التبرعات من داخل غزة وخارجها، بهدف ضمان تقديم أفضل خدمة طبية للمرضى الذين بحاجة إلى متابعات وخدمات طبية جديدة حال احتياجهم إلى ذلك.

وأكد أن قطر معنية بتقديم أفضل خدمات طبية للفلسطينيين وخاصة قطاع غزة بتقنيات عالية غير موجودة في القطاع، منها الأطراف الصناعية، مشيرًا إلى تشخيص أكثر من 30 حالة في مستشفى حمد للتأهيل والأطراف الصناعية بغزة، وخلال الأشهر المقبلة سيتم تركيب أطراف صناعية علوية إلكترونية فريدة من نوعها، وحديثة في تقنيتها.

وأشار عبد الهادي إلى التوأمة بين مستشفى حمد ومؤسسة حمد الطبية في دولة قطر، إذ يربط بينهما نظام موحد، من خلاله يتابع الأطباء المرضى عن بعد.