في معنى ما يُرى من فساد

هو رأس جبل الجليد الطافي على الماء وحسب، وما خفي منه أعظم وأعمق، هذا هو واقع فحوى التقرير الذي صدر مؤخرا عن ديوان الرقابة المالية والإدارية في السلطة الفلسطينية، وكشف عن وجود مخالفات مالية وإدارية كبيرة، في مؤسسات مهمة في السلطة كوزارتي الصحة والمالية وملف الحج وهيئة مكافحة الفساد، وغيرها، وهو ما يشي بأن الفساد قد حقق قفزات نوعية في مفاصل السلطة الفلسطينية، ولم يعد ظاهرة قابلة للستر والتجاوز، أو الإصلاح، مع مرور الوقت.

وجود هيئات رقابية في أي منظومة إدارية أمر مطلوب دون شك، لكننا حين نتحدث عن مؤسسات السلطة فالحال يحتاج إلى مزيد من التفصيل والتوضيح، ذلك أنه لم يثبت أن هناك محاسبات جادة تجري لمن يثبت تورطهم في الفساد، ومن جهة أخرى، فثمة مساحات رسمية عليا في السلطة يستشري فيها الفساد حتى النخاع، ومع ذلك، لا يُسمح باقتراب أي هيئة رقابية منها، بل قد يؤدي كشفها والحديث عنها إلى اعتقال ومعاقبة من يفعل ذلك.

وقبل ذلك ثمة بدهية يعرفها كل فلسطيني عايش هذه السلطة، وهي أنها قامت على دعامة أساسية اسمها الفساد، إلى جانب الدعامة الأخرى المتمثلة بالتنسيق الأمني، فالفساد من مقوّمات بقائها، ويتجلى في جميع مفاصلها وأدوارها، ويتباين حجمه ومداه وأثره تبعاً لحجم وثقل من يمارسه، ويتوزع بين المسؤولين الصغار والكبار، حيث يقتدي الصغار بسلوك رؤسائهم، ويرون وجودهم في السلطة فرصة للنهب والإثراء غير المشروع وتعيين المقربين أو تمرير مصالحهم.

هذا الواقع ليس جديداً في السلطة الفلسطينية، وهو يزداد عمقاً وتمدداً مع مرور الوقت، ليس فقط لأن أصل دورها فاسد سياسياً وأمنياً وإدارياً ومالياً، بل كذلك لأن غياب الرقابة والمساءلة والمحاسبة عن أي منظومة سيتركها نهبة للفساد، وللتفنن فيه، ولشرعنته وتأصيله، ثم القدرة على ستره وإخفائه عن عيون الهيئات الرقابية الصغيرة، التي لا ترى إلا ما يسمح لها برؤيته، ولا تدخل إلى عمق المؤسسات أو إلى المستويات العليا فيها.

ويبدو أن السلطة أرادت القول من تقريرها هذا إن الرقابة فيها موجودة، وإن محاربة الفساد قائمة، وإنها غير محتاجة إلى مؤسسات تشريعية وقضائية سوية تراقب السلطة التنفيذية فيها أو تحاسبها، ثم إن هناك رسالة واضحة يراد تمريرها من خلال هذا التقرير للمانحين الأوروبيين، يشجعهم على الاستمرار في دعم السلطة، وغض الطرف عن كل تجاوزاتها الأخيرة، والإيحاء بأنها تمارس الرقابة وتنتهج الشفافية في مؤسساتها.

وفي كل الأحوال فإن تفاصيل التقرير تؤكد المؤكد حول استشراء الفساد في مؤسسات السلطة المختلفة، وحول ازدياده مع مرور الوقت وليس العكس، إلى حدّ السطو على مقدرات الفقراء والمتضررين من جائحة كورونا، ومقاسمتهم إياها، لكن التقرير سيبقى ناقصاً ومخاتلاً ما دامت مساحات رقابته محدودة، وما دام الفاسدون لا يخضعون للمحاكمة، في حين القضاء خاضع لرأس السلطة، وليس مستقلاً أو حرًّا، وحكم القانون غير سارٍ على الجميع.