بالفيديو والصور "هاشم غزال".. مشغولاته تنطق جمالًا وفقدان يديه هاجسه الأكبر

...
غزة/ نور الدين صالح:

بدقة متناهية ينهمك هاشم غزال في رسم خطوط يتقاطع بعضها مع الآخر، ففي اليد اليسرى يمسك مسطرة يحدد بها القياسات الهندسية، في حين تترامى على زاويا مكتبه أقلام متعددة الألوان وأدوات هندسية أخرى.

يُحدق "غزال" أكثر في الخطوط المترامية على ورقة بيضاء اللون يجول بها يمنة ويسرة تارة، وإلى أعلى وأسفل تارةً أخرى، حتى يصل في النهاية إلى شكلٍ هندسي متكامل الأركان يأذن بالبدء في التنفيذ العملي لـ"طقم الكنب" الذي خطّه.

وينتقل "غزال" (54 عاما) إلى "المنجرة" وهي مكان تنفيذ الأعمال الخشبية في جمعية أطفالنا للصم، هناك تبدو الحياة صامتة من أصوات العاملين، ولا ضجيج إلا الصادر عن المناشير الكهربائية الكبيرة والآلات والمُعدات الخاصة بـأعمال النجارة، أما حديثه فاللبيب بالإشارة يفهم.

داخل المنجرة يرفع "غزال" يديه للعاملين مشاوراً لهم بآلية العمل والخطوات، فيرد الآخرون بلغة الإشارة الخاصة بهم، يعبرون له عن موافقتهم وسعادتهم بالعمل المنوي إنجازه، ليرسموا مشهداً رائعاً في الانسجام والتكامل بينهم.

246326427_178215434489141_9089480644913367395_n.jpg
 

ويقطن "غزال" حي التفاح شرق مدينة غزة، وهو أب لأسرة مكونة من 9 أفراد، ولد 6 منهم بإعاقة سمعية مثله تمامًا.

الابتسامة لا تفارق "غزال" وهو مسؤول قسم المنجرة في جمعية "أطفالنا للصم" الذي أخذ يقص مراحل العمل لـ"فلسطين" عبر مترجم للغة الإشارة: "أول شيء أصمم الفكرة عن الأثاث المنوي عمله، ثم أرسم عدة رسمات بمقاسات متعددة، وصولاً للشكل النهائي، قبل البدء الفعلي بالعمل".

اصطحبنا "غزال" داخل أروقة المنجرة يُطلعنا عن مراحل العمل، فهناك من يجلس خلف ماكينة حياكة القماش ذات الألوان المختلفة، وآخر يقص الألواح الخشبية ويوائم معها قطع الإسفنج، وفي ركن أقصى الغرفة يختص بـ "زخرفة ونقش الأشكال الخشبية"، وصولاً إلى القسم الخاص بتجميع كل القطع الخشبية وإخراجها بشكلها النهائي.

245795185_199007238976757_9054725644749104029_n.jpg
 

يفتخر "غزال" الذي يعمل في مجال النجارة منذ 29 عاماً في المكان ذاته، بأدائه وفريقه الذي ينجز أعمالًا على مستوى عالٍ من الجودة كـ"خلية نحل"، قال ذلك وملامح السعادة تظهر على وجهه الأبيض، واصفا منتجات المنجرة بأنها متميزة، "فنحن لا نقلّد أحداً ولنا ألواننا واختياراتنا الخاصة بكل قطعة أثاث".

ويضيف: "هكذا هي دورة الحياة العملية يومياً داخل أروقة المنجرة، وكل يوم أجتمع مع العاملين عند الساعة الثامنة، ونتبادل الأحاديث الصباحية والاجتماعية، ثم ننطلق إلى عملنا، بعد توزيع المهام على الجميع".

ويلفت إلى التعاون الكبير بين أعضاء الفريق الذي يحمل كلُ منهم همّ الآخر، فحينما يتغيب أحد النجارين عن العمل لظرف ما، يبادر زميل لإنجاز مهامه الملقاة على عاتقه في هذا اليوم، في حين يمضي هو يومه بين متابعة الورشة ومكتبه لإعداد تصميمات خشبية أخرى.

الحياة اليومية

يطوي "غزال" صفحة مسيرته المهنية، ويفتح صفحة حياته اليومية مع عائلته، فلا اختلاف هناك في طبيعة الحياة عن الآخرين، سوى أن حياتهم يسودها الصمت والهدوء واللغة الأساسية بين أفراد العائلة "الإشارة".

فبعدما يعود إلى بيته عند الساعة الثالثة عصراً، يلتئم شمل العائلة ويبدؤون بتبادل الأحاديث حول تفاصيل الحياة اليومية لكل واحدٍ منهم على حدة، ثم يجتمعون حول مائدة طعام الغداء.

وخلال حديثه معنا قاطعنا للحظات، إذ تلقى اتصالاً هاتفياً عبر الفيديو من إحدى بناته، تطلب منه الموافقة على المغادرة لمكان ما، يبتسم "غزال" ثم يعلّق: "وسيلة الاتصال بيني وبين عائلتي في أثناء وجودي في العمل هي اتصال الفيديو".

246168725_637863130931929_2314987819557445744_n.jpg
 

ويوضح أن ثلاثًا من بناته الناطقات تزوجن، واثنتين أخريين من ذوات الإعاقة السمعية تزوجتا أيضاً، وأما الأخيرتان فإنهما تعملان في جميعة "أطفالنا للصم"؛ واحدة معلمة لمادة العلوم، والثانية مسؤولة قسم التصميم والتصوير والجرافيك.

يصمت قليلاً وقد لمعت عيناه، متابعًا: "وُلدت أصم وتعرضت للظلم في المجتمع، وهناك كُثر آخرون مثلي، لكنني لم أقف عاجزاً وعملت مع الجمعية منذ تأسيسها عام 1992، كوني فقدت حقي في التعليم سابقاً بهدف نشر لغة الإشارة وتعليم الأهالي كيفية التعامل مع أبنائهم الصُم".

هواجس الحرب

أما المعاناة الحقيقية بالنسبة لـ"غزال" وعائلته، فتزداد وقت الحرب، حيث يخيم الخوف على أرجاء البيت، لا يدرون ما يجري حولهم، كل ما يشاهدونه هو الوهج الصادر عن صواريخ القنابل الإسرائيلية بعدما تحط أثقالها المتفجرة فوق بيوت المواطنين.

تتزاحم الأفكار والهواجس في ذهن "غزال" أكثر وقت الحرب، فتارة يُفكر كيف يستطيع تحديد أماكن القصف، وكيف سيتمكن من الاتصال بسيارة الإسعاف، وهل سينتبه إليهم أحد، مستعرضاً أحد المواقف التي عاشها خلال عدوان 2014.

"خلال عدوان 2014 تجمعت أنا وأسرتي أسفل درج البيت، لكونه المنطقة الأكثر أمنا (..) على مدار 52 يومًا لم أستطع توفير احتياجات أسرتي، ولا أحد يعلم بنا، الحياة بدت مؤلمة في ذلك الوقت، وفي كل أوقات الحروب"، يتحدث عن قسوة الظروف التي يعيشونها في الحرب.

246176875_703344624353935_8026567127683586384_n.jpg
 

أما الهاجس الأكبر الذي يداهم جميع أفراد العائلة، فهو الخشية من تعرض منزلهم للقصف أو أن يؤدي قصف أحد المنازل المجاورة إلى بتر أيديهم، "فهي من تعبر عني وبها أواصل الحياة وأتواصل مع المجتمع.. لا أستطيع تخيل فكرة أن أفقد يديّ".

ويختم حديثه بتوجيه رسالة لكل المسؤولين والجهات المعنية، بضرورة الاهتمام بفئة ذوي الإعاقة السمعية في قطاع غزة، خاصة في أوقات الحروب، وتوفير احتياجاتهم، مع ضرورة نشر ثقافة "لغة الإشارة" بين أطياف المجتمع.

ويقدر عدد المُصابين بالإعاقة السمعية المسجلين لدى وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة بأكثر من 65 ألف حالة، في حين تصل نسبة المواليد المصابين بفقد السمع إلى 7 من الألف، وفق ما ذكر رئيس قسم السمعيات في "أطفالنا للصم" د. رمضان حسين.

وبيّن حسين لـ "فلسطين" أن قرابة 35 شخصاً أصيبوا بفقد السمع بعد معركة "سيف القدس" الأخيرة في العاشر من مايو الماضي، في حين أن حوالي 245 أصيبوا بعد عدوان 2014.