تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية.. وما خفي أعظم

كلما زادت وتيرة النقد وادعاء الطهارة فقل إن وراثة عباس قد دنت، وإن نهايته باتت أقرب من أي وقت مضى! وكأنهم يقولون: هذا ما جناه عباس، وما جنينا على أحد وإننا المنقذون، والورثة الشرعيون لحكم الفرد الذي استطال أكثر مما يجب!

وأجزم أن الهدف الرئيس لهذا التقرير له عدة مقاصد، فهو موجه للولايات المتحدة الأميركية التي زكمها الفساد الإداري والمالي وقد طالب الموفد الأمريكي هادي عمرو المسؤول عن الملف الفلسطيني و"الإسرائيلي"، محمود عباس بإقالة حكومة اشتية وتشكيل حكومة تكنوقراط كمرحلة انتقالية تتم فيها مأسسة النظام "العباسي" حتى تذهب به متغيرات أي انتخابات قادمة يتم ضبط مفاعيلها منذ الآن بالدعم المالي والأمني، وبدخول حكومة نفتالي بينيت على الخط لضمان استقرار الأوضاع وبتعيين نائب لعباس ويفضل أن يكون حسين الشيخ وبدعم "الرجل القوي" "إسرائيليا" وأميركيا الممسك بخيوط اللعبة الأمنية ماجد فرج!

كما أن التقرير مقدم أيضا "بكل شفافية" منتقاة بعناية للاتحاد الأوروبي الذي صب جام غضبه على عبث عباس واشتية وعصاباتهما بالمال العام وغرق "النظام" بالمحسوبية والأقارب والأنسباء والخلان وقد تآكلت شرعيته ولم يعد مقنعا لأحد هذا الهروب الكبير إلى الأمام بالانتخابات القروية الجزئية لترميم هذا المسخ الدميم الذميم!

إن آخر من توجه لهم هذا التقرير هو المواطن الفلسطيني الذي يعلم يقينا وهو يرى بأم العين فضائح فوضى السلاح والفساد المستشري والبذخ الماجن والقتل المنظم والقمع والتنكيل خدمة للمحتل على حساب كل ما هو وطني وأخلاقي.

تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية وإمعانا في هذه الشفافية المدّعاة، لا يستثني حتى العاملين فيه من السقوط في مستنقع الفساد الآسن، وكذلك في وزارة الصحة وفي التحويلات الخارجية وفي كارثة لقاحات فيروس كورونا والتجاوزات الهائلة.

ويكشف التقرير كيف توزع أموال صندوق "وقفة عز" هبات لأصحاب المداخيل الكبيرة بعيدا أصلا وتماما عن المستحقين لها.

حق يراد به باطل، فما قدم في الإحصائيات والأرقام التي اصطفت كأنها الحقيقة كاملة، كانت تشي بكل هدوء بأن المخفي أعظم وأن "القطط السمان" فوق، بدءا من رئيس العصابة، مرورا بأنجاله وأزلامهم وشراكاتهم مع عتاة المستوطنين وتجارتهم مع مزارع عجولهم وحقولهم في المستوطنات، فلم يتم التطرق لها من قريب أو بعيد.

أما موازنات الأجهزة الأمنية التي تفوق موازنات الصحة والتعليم والزراعة والصناعة والبلديات فلا ذكر فعلي لها، وهي المخصصة فقط لحماية الاحتلال ومستوطناته ومستوطنيه وعلى حساب أرض المواطن قيد النهب والتهويد وحياته وكرامته المنتهكة، ومستقبل بنيه تحت وطأة الترانسفير العنيف والهادئ، ونحو "دولة" يهودية نقية العرق كما هي حقيقة أهداف كل حرف في صك إذعان أوسلو الذي وقعه مهندس هذه الكارثة الخيانية وعلى كل الصعد.

ومن الطريف والفاجع أن يسجل "كتبة" التقرير أنه "سيتم تزويد السيد رئيس دولة فلسطين والمجلس التشريعي ومجلس الوزراء بالتقرير السنوي وفق النتائج بما ينسجم مع القانون"!؟

وجميعنا و"هم" يعلمون أن "السيد الرئيس" قد انتهت ولايته الدستورية -بما ينسجم مع القانون كما يقولون– منذ عام 2009، وأن المنتهية ولايته على الرغم من ذلك قام بما لا ينسجم مع القانون بحل المجلس التشريعي وهو الوحيد من بين أركان أي نظام سياسي في دول كل الدنيا أنه صاحب ولاية ممتدة ليس فقط حتى انتخاب مجلس تشريعي أو برلمان أو كونغرس وإنما بقسم اليمين الدستورية!

كذلك الحكومة، فلا حكومة شرعية حتى يُصدِّق عليها ممثلو الشعب الذين انتخبهم برلمانا أو مجلس شعب أو مجلسا تشريعيا.

فأين نحن من كل ما تقدم؟ هذا التقرير في واقع الحال وعلى المستوى الوطني قُدِّم إلى فراغ وطني، فلا وجود لأي من أركان النظام السياسي الفلسطيني.

أما الطامة الكبرة فهي في السلطة القضائية الفلسطينية التي عينها السيد محمود رضا عباس على هواه ووفق مقاييسه تأتمر بأمره وتنفذ تعليماته تعيينا ونقلا وتقاعدا وفصلا بمرتبات قضاتها وعلاواتهم ومكافآتهم ومكرماته لهم.

من أراد أن يرى ما وراء الأكمة، وألا يرى الشجرة دون أن يعلم أن خلفها غابة مترامية الأطراف فليَعُد لقراءة متأنية موضوعية سياسية وقانونية لمكنونات صك إذعان أوسلو، فهو مرجعية كل ذلك، وسيرى جبل الثلج كاملا، إنه صك بيع خياني لوطننا فلسطين، فهل سيدير إنفاذ هذا الدور الوظيفي الآسن غير الفسدة المارقين!