المقاومة الفلسطينية وأكتوبر.. الإعجاز في الإنجاز

 

أحداث عديدة شهدها شهر أكتوبر المجيد، ولكن هنا سأسلط الضوء فلسطينيًّا على حدثين مهمين أنجزتهما المقاومة الفلسطينية في أكتوبر، الحدث الأول رد أبطال المقاومة الفلسطينية من كتائب أبي علي مصطفى، الجناح المسلح للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، على جريمة اغتيال الأمين العام للجبهة الشهيد القائد أبي علي مصطفى يوم 27/8/2001م، لم يستغرق الرد طويلًا، ولم يكن الهدف بسيطًا، وهذا وحده إعجاز في الإنجاز، ففي يوم 17/10/2001م وصل أربعة أبطال من كتائب أبي علي مصطفى إلى فندق "حياة ريجنسي" في القدس، ومعهم مسدس كاتم صوت، أطلق الرفيق حمدي قرعان أربع رصاصات على رأس وزير السياحة الإسرائيلي صاحب نظرية "ترانسفير العرب" رحبعام زئيفي، وأرداه قتيلًا، لتسطّر هذه الخلية إعجازًا آخر في الإنجاز يتمثل في منح زئيفي "ترانسفير" إلى جهنم وبئس المصير.

 الحدث الثاني وقع في أكتوبر 2011م، وهو إنجاز صفقة وفاء الأحرار (1)، وفي الذكرى العاشرة يجب أن نستحضر روحَي الشهيدين منفذي عملية الوهم المتبدد، وهما: الشهيد حامد الرنتيسي، والشهيد محمد فروانة، وكل من شارك أو خطط لتلك العملية البطولية، وهناك قائد كبير سيكتب التاريخ عنه الكثير، وهو أحد القيادات التي خططت للعملية، ولكن (إسرائيل) حرمته الاحتفال بهذا النصر التاريخي، ليحتفل به بجوار ربه في جنان الخلد، إنه القائد الشهيد جمال أبو سمهدانة.

وهناك كلمات ما زال صداها يصدح لأنها خرجت من مهندس الصفقة عندما قال: "أنا مطمئن اليوم على حماس، شكلت جيشًا قويًّا، وأقر الله عيني بصفقة وفاء الأحرار، وأتمنى أن ألقى ربي راضيًا مرضيًّا"، فارتقى صاحب هذه الكلمات شهيدًا، إنه القائد الذي أدار عملية التفاوض غير المباشر مع الاحتلال الصهيوني، أحمد الجعبري.

صفقة وفاء الأحرار هي إعجاز في الإنجاز، لأنها أكدت أدوات تفاوض جديدة غير تلك الأدوات التي ينتهجها المفاوض الفلسطيني، أدوات تستثمر كل أوراق القوة التي يمتلكها شعبنا العظيم، وتضع توفيق الله أمام عينيها، فلولا توفيق الله ثم تصميم المجاهدين ما نجحت الصفقة، فما مراحل ذلك الإعجاز؟

أولًا: المزاوجة بين الحكم والمقاومة.

في نظام عالمي أحادي القطبية تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف الإستراتيجي لـ(إسرائيل)، ونظام إقليمي عربي ضعيف، حققت حركة حماس فوزًا ساحقًا في الانتخابات التشريعية التي أجريت في يناير/ 2006م، لتعلن جهرًا أنها تتبنى خيار المزاوجة بين العمل المسلح ضد (إسرائيل) وممارسة الحكم، وكان هذا من وجهة نظر بعض المراقبين أنه مراهقة سياسية، ولكن الإعجاز الأول هو نجاح المقاومة الفلسطينية بذلك، فبعد ثلاثة أشهر فقط من أداء حكومة حماس اليمين الدستورية جاءت عملية الوهم المتبدد.

ثانيًا: عملية الوهم المتبدد.

الإعجاز الثاني يتمثل في العملية ذاتها من حيث التخطيط والتنفيذ، فعلى عكس المتوقع إسرائيليًّا أن أي عمل مقاوم سيأتي من فوق الأرض، المقاومة حفرت نفقًا طويلًا وعبره زحف المجاهدون لينقضوا على الجنود الإسرائيليين من الخلف، فيقتلوا جنديين ويخطفوا ثالثًا، على الرغم من التحذيرات الأمنية الإسرائيلية لقواتهم المنتشرة على الحدود مع غزة، ما دفع قادة جهاز الشاباك الإسرائيلي لأن يعترفوا بإخفاقهم في إفشال عملية الوهم المتبدد، بعد أن زعموا في إعلامهم أنهم قاموا بعملية خاطفة في جنوب القطاع اعتقلوا بموجبها مصطفى معمر وشقيقه.

وحسب رواية الشاباك في ذلك الوقت فإن مصطفى معمر هو أحد أفراد الخلية المكلفة بتنفيذ عملية الوهم المتبدد، ولو صحت رواية الشاباك التي أذاعها الإعلام العبري، فإن مخاطر تنفيذ العملية ستكون كبيرة، وهنا المعجزة الثانية، وتتمثل في إصرار المقاومة على التنفيذ، ونجحوا خلال ثمانٍ وعشرين دقيقة في تنفيذ العملية والعودة بالجندي الإسرائيلي شاليط.

ثالثًا: عملية إخفاء الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.

المعجزة الثالثة تتمثل في أضخم إنجاز أمني لحركات المقاومة في التاريخ المعاصر، فأن تحتجز جنديًّا في مساحة 365 كم2، وتستطيع الهروب من أعين ثلاثة أجهزة مخابرات إسرائيلية هي الموساد والشاباك وأمان، إضافة إلى مساهمة عدة أجهزة استخبارات دولية؛ ذلك معجزة، ولكن تلك المعجزة مستمدة من صمود وصبر الشعب الفلسطيني في قطاع غزة الذي رفض العروض الإسرائيلية لتقديم معلومات عن مكان شاليط مقابل مكافأة تصل قيمتها إلى عشرة ملايين دولار، على الرغم من الحصار والفقر، ولكن النجاح في الإنجاز أزال عتمة الحصار ليرى النور مرسومًا على وجوه المحررين وذويهم.

 رابعًا: المفاوضات بين حماس و(إسرائيل) بوساطة مصرية.

الإعجاز الرابع يتمثل في عملية التفاوض وشخوص المفاوضين، إذ ارتكزت العملية التفاوضية على مرتكزين مهمين:

الأول: ورقة القوة التي يمتلكها المفاوض الفلسطيني متمثلة في الجندي جلعاد شاليط.

الثاني: طول نفس المفاوض الفلسطيني ودرايته بالعقلية الأمنية الإسرائيلية، فأنجز ما تمنى.

 خامسًا: عملية التسليم والتسلم.

في الدقيقة نفسها والثانية نفسها يخرج عناصر كتائب القسام من مواقعهم ومنازلهم ليستقلوا أكثر من ثلاثين سيارة باللون والنوع نفسهما، في عملية أمنية معقدة أذهلت وحدات المراقبة الجوية الإسرائيلية، وكانت أشبه بمناورة عسكرية لجيش نظامي محترف، لتؤكد قدرة المقاوم الفلسطيني على خداع التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، فتمت عملية تسليم الجندي شاليط دون أدنى معلومة أمنية قد يستفيد منها هذا العدو الماكر، وفعلًا نجحت العملية وسُلِّم شاليط حسب الاتفاق لقادة جهاز المخابرات المصرية، وتبدأ المرحلة الأولى من عملية وفاء الأحرار، وهذا أيضًا إعجاز في الانجاز يسجل لحركة حماس.

 سادسًا: لوحة استقبال المحررين.

أما المعجزة الأخيرة فهي اللوحة الجميلة التي رسمتها الضفة الغربية وقطاع غزة في استقبالهما الأبطال، بحيث رسمت رايات الفصائل الفلسطينية المتعانقة التي تهتف جميعها بالإنجاز الوطني، ومن بينها يرفرف العلم الفلسطيني في صورة جميلة، رسالة سياسية للقادة بأن الوحدة الوطنية والمصالحة باتت خيارًا شعبيًّا، وأن البيئة السياسية كانت جاهزة لتنفيذ اتفاق المصالحة، وما على القيادة إلا البدء بالخطوة الأولى، ولكن للأسف مضت عشر سنوات ولم تتحقق المصالحة، فهل ستؤسس وفاء أحرار 2 لخارطة طريق تنهي الانقسام...؟

الخلاصة: وفاء الأحرار 2 ممكن أن تتحقق لو أحسن المجتمع الإسرائيلي التحرك للضغط على حكومة بينيت، وبناءً على هذا التحرك ستتعزز فرص الوصول إلى هدنة تحسن واقع قطاع غزة.