دولة الفساد التي أسستها السلطة الفلسطينية

ربما آخر ما كانت تنتظره السلطة الفلسطينية في هذه الأيام هو نشر تقرير ديوان الرقابة الإدارية والمالية في رام الله لعام 2020، الذي يؤكد بالأرقام والوثائق حجم الفساد المستشري في هياكل السلطة الفلسطينية، في تأكيد جديد للفجوة الكبيرة بين الواقع المترهل الذي تعيشه السلطة الفلسطينية وطموحات وأحلام الشعب الفلسطيني الذي يسعى إلى تحرير الأرض، وبناء الدول الفلسطينية المستقلة.

تقرير ديوان الرقابة كشف وجود فساد في هيئة مكافحة الفساد المُكلَّفة أساسًا بمحاربة ظاهرة الفساد والقضاء عليها، وطعن في آلية تعيين الموظفين داخل الهيئة، واتهمها بحيازة المبالغ الفائضة من الموازنة المالية المخصصة للهيئة، والتي تجاوزت 4 ملايين دولار أمريكي بشكل مخالف للنظم والقوانين المعمول بها.

المحكمة الدستورية التي شكلها عباس بشكل مخالف للقانون والإجماع الوطني وقعت أيضًا في شبهات الفساد بحسب التقرير، حيث خالفت المحكمة الأنظمة المالية والقوانين المعمول بها من خلال شراء مشتريات بمنأى عن وزارة المالية التابعة لحكومة رام الله، إضافة إلى الاتهامات بعدم الشفافية في تعيين الموظفين بالمحكمة، وغياب التخطيط الإداري والمالي، وتخصيص 53% من موازنة المحكمة للمكافآت والرواتب، وصرف هواتف نقالة لجميع الموظفين بالمحكمة دون إثبات حاجة العمل لجميع تلك المصروفات خلافًا لمواد النظام المالي الفلسطيني.

الاتهامات بالفساد طالت صندوق "وقفة عز" الذي شكلته السلطة الفلسطينية لمساعدة الفقراء، والعمال، والشرائح المجتمعية المتضررة من جائحة "كورونا"، حيث أثبت التقرير فسادًا بيّناً في توزيع أموال الصندوق، الذي استفاد منه عدد من ذوي الرواتب العالية الذين تتجاوز رواتبهم الشهرية 3400 دولار أمريكي، وكذلك عدد من أصحاب الجوازات الدبلوماسية، إضافة إلى استفادة أفراد عدة داخل الأسرة الواحدة.

ملف الحج الذي تديره وزارة الأوقاف التابعة لحكومة رام الله لم يسلم من الاتهام بالفساد، حيث ذكر تقرير ديوان الرقابة وجود تجاوزات في إدارة هذا الملف، واتهم مسؤولي الأوقاف بتجاوز نظام القرعة الإلكتروني المعمول به، مؤكدًا قيامهم بحذف أسماء وحرمان مواطنين أداء فريضة الحج دون مبرر قانوني، وإضافة أسماء أخرى لم تستوفِ شروط التسجيل بالشكل الإداري السليم.

فساد مؤسسات السلطة الذي ذكره التقرير طال أيضًا ملف التحويلات الطبية الذي تديره وزارة الصحة في رام الله، وملف الإمداد والتجهيز التابع لوزارة الداخلية، والملف المالي داخل وزارة الثقافة، إضافة إلى فساد مالي داخل "اللجنة الوطنية للقدس عاصمة دائمة للثقافة العربية" وجامعة الأقصى بغزة التي تديرها وزارة التعليم في حكومة رام الله، واتهامات الإهمال طالت بحسب التقرير وزارة الاقتصاد بسبب عدم التزامها محددات مؤسسة المواصفات والمقاييس، وكذلك وزارة السياحة والآثار بسبب عدم متابعتها ملف الآثار المُكتشفة.

الفساد المستشري في مؤسسات السلطة الفلسطينية التي أكدها تقرير ديوان الرقابة الإدارية والمالية في رام الله يأتي في ظل التجاوزات الخطيرة التي تقوم بها الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، والتي أكدت محاكمة قتلة الشهيد نزار بنات أنها أشبه بمنظمات إجرامية تعتقل وتقتل خارج إطار القانون، حيث أكدت تفاصيل المحاكمة أن اسم الشهيد نزار وُضع على قائمة المطلوبين بشكل مخالف للقانون، وأن الاختطاف تم باستخدام مركبات مسروقة، وأن أداة القتل كانت عبارة عن "عَتَلة" حديدية هشّمت عظام قفصه الصدري على أيدي القتلة الأربعة عشر في حين كان الشهيد ما زال نائمًا في فراشه.

فضائح الفساد التي فجرها تقرير ديوان الرقابة في رام الله تعزز قناعات الشارع الفلسطيني بوجود فساد مستشرٍ في مؤسسات السلطة الفلسطينية، وهذا ما أشار إليه استطلاع الرأي الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في رام الله منتصف أيلول سبتمبر الماضي، حيث ذكر 83% من الفلسطينيين أنهم يعتقدون بوجود فساد في مؤسسات السلطة، مقارنة بنسبة 84% في الاستطلاع الذي أجراه ذات المركز مطلع يونيو حزيران الماضي، ما يؤكد عدم ثقة الشارع الفلسطيني بمؤسسات السلطة، وأنها باتت عبئًا ثقيلًا على القضية الفلسطينية.

فساد مؤسسات السلطة الفلسطينية طال أيضًا المؤسسات الإعلامية الرسمية التي تديرها السلطة الفلسطينية، حيث أكد تقرير نشرته قبل أيام مؤسسة الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة أمان أن الإعلام الفلسطيني الرسمي يخضع لهيمنة سياسية من قبل السلطة الفلسطينية؛ ما أثّر تأثيرًا عميقًا في توجهاته وسياساته التحريرية، وهذا يشير إلى حرص قيادة السلطة على الهيمنة على وسائل الإعلام، ومخاوفها من أي تسريبات تفضح هذا الفساد المستشري في مؤسساتها.

ختامًا ومع حالة الصدمة والذهول التي يعيشها الفلسطينيون من مدى التغلغل الكبير للفساد في مؤسسات السلطة الفلسطينية، وغياب الشفافية والنزاهة والمحاسبة، يبقى التساؤل الكبير، كيف يمكن ملاحقة ومحاسبة من يوفر الحماية لهذا الفساد، وماذا تبقى للسلطة الفلسطينية وحكومة اشتية من وعودات مخادعة تقدمّها للفلسطينيين الذين ما زالوا يحلمون بِغَد أفضل.