الكيان الاستيطاني في فلسطين وبدء العد التنازلي

لقد جرت في الوادي مياه كثيرة ولم يبقَ فيه سوى حجارته المصلبة والوازنة.

حروب كبيرة وضحايا كثيرة وقعت منذ قيام المستوطنين في فلسطين المحتلة، كيان تأسس لأداء دور وظيفي خدمة للرأسمالية الغربية الطامحة للتوسع والاستغلال في منطقة تشكل مركز الدنيا، وبنفطها الحيوي الذي قامت عليه الصناعة العالمية واحتكاراتها، وبأسواقها الواسعة وموادها الخام ومياهها وعمالتها الرخيصة.

وقد تقاطعت مع هذا كله الفكرة الصهيونية الرأسمالية التي ارتكزت على أسطورة من خيال غربي أوروبي أولا لمد النفوذ من جهة وللخلاص من اليهود وطردهم من أوروبا الصاعدة من جهة ثانية.

من هنا بُدئ بالتحري نحو الشرق وكانت فلسطين محط الرحال، وكان الاستيطان هو العنوان، وهو جوهر خبرة العرق الأنغلوسكوني الذي استوطن ونجح في إقامة دولة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا وغيرها من الممالك.

يقولون لكل دولة جيش، والكيان الاستيطاني هو في واقع الأمر جيش صنع دولة، ولم يزل يقرر هذا الجيش مستقبل هذا الكيان ويصنع مؤسساته وقياداته، وتتشكل جل هيئاته في كل حقولها الزراعية والصناعية والتكنولوجية منا كادراته تخرجت من وحدات البقرة المقدسة.

عصابات مسلحة لقراصنة يغتالون ويتجسسون ويرتكبون المجازر وينهبون الأرض، وهكذا هي دولة الصهاينة منذ البدء وحتى النهاية الحتمية التي أمست نهايتها مرئية للعيان.

وليس غربيا بأي حال أن تكون العلاقات بين (تل أبيب) ولندن وواشنطن وأوتاوا وسيدني وغيرها علاقات ذات بعد إستراتيجي وثيق عسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا وثقافيًا، كما أنهم يملكون تاريخا بنفس السماح والملامح لعصابات قتلت وسفكت دماء الملايين لبناء كيانهم على حساب عذابات السكان الأصليين.

ويرى الجميع ويلحظ بأم العين أنه ومنذ ما يقارب العقد ونصف بدأ الكيان الغاصب يتراجع وأضحت أسطورة واحة الديمقراطية في شرق أوسط استبدادي تتداعى وينكشف خواء هذا البناء الهلامي حين ظهرت الحقيقة في أنه ما كان للكيان الاستيطاني أن يستمر على قيد الحياة حتى اليوم لولا الوحدة الميدانية التي شكلت فيه هذه النظم العربية الاستبدادية مناطق عازلة تحميه وتمده بأسباب الاستمرار، وهي بمجموعها تحت مظلة بريطانيا العظمى تأسيسا وإسنادا حتى منتصف الخميسنيات حين بدأ النفوذ الأمريكي في السيطرة على مقدرات الشرق الأوسط فتصبح واشنطن العراب الرئيس ولندن وأوروبا عموما شريكان من الدرجة الثانية.

لقد بدأ هذا التحول الاستراتيجي حين نجح محور المقاومة في الإمساك بالحلقة المركزية لحقائق دور النظام العربي الرسمي والطاقات الكامنة للشعوب المناضلة وما أنجزته من انتصارات وما واجهته ذات الدول الاستعمارية من هزائم وحقيقة حروب الإرادات والاستعداد لتقديم التضحيات وقد انتصرت الجزائر وفيتنام وجنوب إفريقيا ونماذج ذلك لا تحصى.

وجاء عام 2000 كي يشكل باكورة انتصار العين على المخرز ويبدأ العد التنازلي بهزيمة منكرة للجيش الذي كان يفعل ما يريد ويأمر فيطاع والعربان يبحثون عن التوازن الاستراتيجي حتى تبدأ طبول التحرير.

وتوج عام 2005 ببدء اندحار مشروعهم فيما أسموه "أرض الميعاد" تحت سناك خيل المقاومة في قطاع غزة الفداء.

وتستمر خيبات العدو تتلاحق في عام 2006 في هزيمة صاعقة في جنوب لبنان وقطاع غزة مرة أخرى وتتوالى الأحداث في الأعوام التي تلت حتى جاء "سيف القدس" ليعلن أن هذا الجيش يمكن أن يندحر مرة وإلى الأبد.

ولا بد من تسجيل أن العدو لم يجرؤ على إنزال قواته البرية إلى الميدان منذ معارك عامي 2008/ 2009 ففي تلك المعارك وما تلاها كانت نخبة أولية مشتاته تعمل في القشرة وعن بعد ثم ما تلبث أن تغرق في رمال المقاومة المتحركة لتتراجع وقد فقدت الكثير من عديدها وعتادها.

محور المقاومة يستعد وسوف تكون تكتيكاته صادمة للعدو في قادم الأيام وبنتائج تسجل للتاريخ بدء سقوط هذا الكيان غير الشرعي والمفتعل.

يقول المؤرخ والمحلل الصهيوني يوسي بلوم هليفي في صحيفة "معاريف" إن الذراع البرية لجيش العدو تتقلص، وإن المعارك تجري اليوم داخل البلاد ويتحكم في مجرياتها الخصم، وإن الحرب القادمة ستكون مدمرة، وإن الهجوم على كيانهم سيأتي من عدة جبهات من الشمال والجنوب ومن غوش دان حتى إيلات.

ويضيف مركز أبحاث الأمن القومي الصهيوني أن البلاد ستكون تحت وابل صاروخي غير منقطع بحجم 3000 صاروخ يوميا يترافق مع تقدم رجال المقاومة الذين سيدخلون إلى المستوطنات الحدودية ويواصلون تقدمهم تحت هذا الغطاء، إلى جانب عمليات فدائية واسعة داخل فلسطين وفي العمق.

وكان الجنرال إسحاق بريك قد قال إن سلاح المسيرات سيكون رئيسا، وأن سماء الكيان سيكون مسرحا للآلاف منها للاستطلاع وتغذية بنك الأهداف وأخرى انتحارية ومزودة بالصواريخ وأن المقاومة تملك ذخرا استراتيجيا لمواقع العدو من مطارات وموانئ بحرية وجوية وجسور وطرق ومنظومات سيطرة وتحكم ومخازن ذخائر متنوعة ومرابض مدفعية.

هليفي وبريك وجنرالات كثر آخرون يؤكدون أن أمنية نتنياهو بأن يستطيل عمر دولته أكثر من دولة الحشمونئيم لمئة سنة لن يتحقق بإذن الله.