"مبادرون مصلحون".. حملة لتزويج الشباب بمهر ومؤخر صداق محددَيْن

...
صورة أرشيفية
غزة/ عزام حافظ:

لم يعد يخفى على أحد أن الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه قطاع غزة دفع الشباب إلى العزوف عن الزواج في سن مبكرة؛ نظراً لارتفاع تكاليفه، في حين تلامس نسبة البطالة في صفوف الخريجين حاجز الـ60%.

وعلى الرغم من ارتفاع حالات الزواج عام 2020 (عام جائحة كورنا) أكثر من عام 2019 بواقع 3.649 حالة، وبفارق نسبي تخطى 21.1%، فإن المجلس الأعلى للقضاء الشرعي مصدر تلك البيانات، يُعزي ذلك لإجبار الجائحة كثيراً من الشبان على التخلي عن التكاليف الباهظة للزواج، بدءا من المغالاة في المهور وليس انتهاء بمتطلبات إقامة الفرح التي تدفع الشبان إلى الاستدانة أو الاقتراض، "عملًا بما جرت عليه العادة"، كما يقول الكثير منهم.

وتلبية لعديد الأصوات التي تطالب بإنقاذ الشباب المقبل على الزواج من ذلك الوحل، انطلقت حملة "مبادرون مصلحون" حاملة مشروع تيسير المهور بحيث لا يزيد سقفها على 500 دينار أردني، إضافة لخاتم خطوبة، وثلاثة آلاف دينار مؤخر للصداق.

ليس الشبان وحدهم هم دافع الحملة المستند إلى عدد الإناث اللواتي لم يسبق لهن الزواج وأعمارهن بين 25 و40 عاماً، الذين يزيد عددهن على 52 ألفاً، ناهيك بزوجات الشهداء، والأرامل.

وشهد قطاع غزة شهد خلال عام 2020 توثيق حوالي 21 ألف حالة زواج مقارنة بأكثر من 17 ألف حالة زواج خلال العام الذي سبقه، وذلك بسبب انخفاض تكاليف الزواج في ظل أزمة كورونا.

وتهدف الحملة بحسب علاء شراب -أحد القائمين عليها- إلى إعفاف الشباب والشابات أصحاب الدخل المحدود، الذين لا يستطيعون تلبية المهور العالية، وتنمية روح التسابق بين العائلات لاعتماد تزويج الشباب والشابات من جانب النظر إلى الأخلاق والدين أولًا وأخيرًا، وتعميق ثقافة تيسير المهور وتسهيل الزواج للقادرين ونبذ المغالاة في المهور في ظل الظروف الراهنة على الأقل.

ولاقت الحملة بحسب شراب في أيام إطلاقها الأولى صدى كبيراً وإقبالاً واضحاً على التسجيل فيها، لا سيما أن مهمة القائمين عليها تنتهي بتوصيل العريس بعائلة العروس المسجلة بياناتهم لدى الحملة وقبول الطرفين بالمهر المتفق عليه، تاركًا حرية الاتفاق على التفاصيل لأهل العروسين.

ويضيف شراب لصحيفة فلسطين أن الحملة ستواصل العمل على الهدف الذي انطلقت من أجله بتيسير المهور كقيمة مجتمعية ودينية باتت شبه مفقودة بفعل عدة عوامل، منها عادات وتقاليد تحكم كثيراً تفاصيل الزواج وتعيق إعفاف الشبان والشابات، بشكل يجعل من الزواج عبئًا يصعب الانفكاك منه.

ويشير إلى الإقبال الكبير على الحملة، استفساراً وتسجيلاً، فقد سجل ما يزيد على 500 شاب وفتاة في قوائم الحملة منذ انطلاقها قبل نحو أسبوع، كما تشهد إقبالاً كبيراً من الراغبين بالتعدد، أو في كفالة الأرامل وأيتامهن.

فكرة جيدة ولكن..

وترى الشابة شروق خالد (25 عاماً) في المبادرة حملة تشجيعية، وخطوة موفقة في سبيل تزويج الشباب الذين حرمهم الوضع الاقتصادي من الإقبال على هذه الخطوة.

وتقول لـ"فلسطين": "توجد تكاليف للزواج لا داعي لها"، مرجحة نجاح الحملة "لا سيما أن لها مردوداً في حل بعض مشكلات سوء الأخلاق المتولدة لدى بعض الشبان نتيجة تأخرهم في الزواج، والمساهمة في تعزيز خُلُق العفاف بالمجتمع".

ولم يخالف أنس إبراهيم الذي شارف على عتبة الثلاثين من العمر، رأي شروق من ناحية إيجابية فكرة الحملة، لكون هدفها الأساسي تعميم قيم أخلاقية في الوسط المجتمعي، وأن الزواج ليس بكثرة مصاريفه وغلاء مهره، وإنما بالاتفاق وحسن الخلق والعشرة.

وينظر أنس للفكرة من زاوية مختلفة أيضًا "وهي أن الزواج ليس فقط مهرا وحفلة، وإنما حياة يجب أن تُبنى على أسس صحيحة، فليس مجديًا أن نزوج مائة شاب بمهور مخفضة وكثير منهم لا يملك ثمن إيجار بيته، أو عملًا يصرف به على حياته الزوجية".

التحديد مرفوض

ويرى الشارع الحكيم أن أمر تحديد المهر في الإسلام "مرفوض"، وليس في الدين ما يدل على تحديد المهر بقدر معين، إنما هو هدية من الخاطب لمخطوبته، وحق مكتسب، لها حق التصرف فيه كيفما شاءت دون سقف أعلى أو أدنى له، وإنما بتوافق الطرفين، بحسب رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي الشيخ حسن الجوجو.

ويضيف الجوجو لصحيفة فلسطين أن المطلوب هو الدعوة لترشيد المهور وبيان ثقافتها في الإسلام، والتخلص من تبعات ما بعد المهر من تكاليف الفرح وغيرها التي ترهق كاهل الشاب، فيصبح أسيراً للديون بعد فرحه، وهو ما يضطره للجوء لبيع ذهب زوجته وقد تكون نواة إشكالية قد تنتهي بالانفصال.

ويطرق هذا الموضوع جوانب اجتماعية عديدة، "فالوصول لقضية تخفيض المهور ليس حلاً، وإنما نحن أمام إشكالية متعددة الأطراف تتمثل بالواقع السيئ الذي يعيشه أهالي قطاع غزة، والشباب جزء منهم، ما يجعل عزوفهم عن الزواج قسريًّا، نتيجة عدم وجود فرص اقتصادية تساعدهم في بناء مستقبلهم".

تهيئة نفسية واقتصادية

وهو رأي ذهب إليه المختص الاجتماعي أحمد علوان، إذ يؤكد أن الحل يكمن في ضرورة التهيئة النفسية والاقتصادية للمقبل على الزواج.

ويقول: "نجد غالبية حالات الطلاق والانفصال بعد الزواج بسبب ضغوطات الواقع الاقتصادي، فتخفيض المهر منفرداً ليس حلاً".

ويدعو علوان إلى ضرورة توفير أسس لنجاح العلاقات الزوجية، أبرزها إيجاد وضع اقتصادي مستقر، وهو أمر منوط بالقائمين على رعاية شؤون العامة.

وتشير أحدث الإحصائيات الصادرة عن الجهـاز الـمـركـزي للإحصاء الـفلسطيني إلى وجود 1.16 مليون شاب وشابة 18-29 سنة في فلسطين، ويشكلون أكثر من خمس المجتمع الفلسطيني؛ 22% من إجمالي السكان في فلسطين منتصف عام 2021، منهم 21.8% في قطاع غزة، وبلغت النسبة بين الذكور والإناث نحو 105 شباب ذكور لكل 100 شابة.