أوراق تركها أبو مازن في مكتبه

لم تتحرك المعارضة السياسية ضد رئيس السلطة محمود عباس قبل ذهابه إلى الأمم المتحدة هذا العام، ولم تبادر إلى تأكيد شرعيته المنقوصة وإثارة هذه القضية كما كل عام، قبل حديثه ممثلًا عن شعبنا الفلسطيني أمام المجتمع الدولي؛ لأن "أبو مازن" ذهب بأخطائه هذه المرّة، الكافية لمجرّد السؤال عن مصادر شرعيته، دون القدرة على التهرّب، أو إلقاء اللوم على الآخرين.

خطابه هذا العام شخّص آلام التآكل الذاتي التي تعانيها قيادة السلطة ومشروعها السياسي، فقد طار أبو مازن إلى نيويورك وهو يعرف ماذا سيقول، و(إسرائيل) كانت تعرف ما ستسمعه، في حين كانت تنتظر الأمم المتحدة مرور الـ 27 دقيقة؛ لإنهاء العرض الذي اعتادت عليه وملّت منه، مع إدراكها هي الأخرى بعجزها، لكن ليس إلى الحدّ الباعث على الضجر من ارتهان قيادة السلطة واعتقادها أن الحلّ فقط عبر الآخرين، وتبرير ضعفها بضعفهم.

حملت طائرة "أبو مازن" كل الإفادات وشهادات حُسن السير والسلوك التي تثبت أمام المجتمع الدولي أنه شريك حقيقي للسلام، في حين ترك خلفه أوراق الإدانة التي أظهرته على منصّة الأمم المتحدة غريمًا لشعبه، دون جهد من القوى والفصائل الفلسطينية.

لم يحمل أبو مازن معه إلى المجتمع الدولي قرار استئناف التنسيق الأمني مع الاحتلال في 17 نوفمبر الماضي، ولا قرار تعطيل الانتخابات الشاملة في 29 أبريل، ولا الأمر الرئاسي باغتيال المعارض السياسي البارز نزار بنات في 24 يونيو، ولا قرار إقالة وزير الثقافة إيهاب بسيسو من منصبه في 1 يوليو، أو فصل ناصر القدوة من رئاسة مجلس إدارة مؤسسة ياسر عرفات، ودون الإفصاح عن محضر اجتماعه بوزير الحرب بيني غانتس في رام الله في 30 أغسطس، ولا قرار إجراء الانتخابات القروية منفردا دون توافق وطني في 14 سبتمبر، ولا مبررات دفع وزيره حسين الشيخ لمطالبة السودان بتحويل أموال الفلسطينيين المحتجزة إلى السلطة مؤخرًا.

كان بالفعل عامًا استثنائيًا برزت فيه عدائية "أبو مازن" على نحو فجّ وغير مسبوق، افتقد خلاله القدرة على تبرير هذه القرارات والسلوكيات لأسباب قد تعود إلى تغييرات واضحة تطرأ على شخصيته، تظهر في الأداء السياسي الكهل له، الذي حوّل حقّنا في مخاطبة المجتمع الدولي عبر منبر الأمم المتحدة، إلى مناسبة سنوية للشكوى والإدانة، والخطورة أنها نضجت مع السنوات لتصبح لغة فلسطينية رسمية.

حاول أبو مازن هذه المرّة إضفاء نوع من الجدّية على طرحه، بإعلان أنه "يمنح (إسرائيل) عامًا واحدًا للانسحاب إلى حدود 67". وقد بدت فكرة ثائرة، لو قالها غيره. وهذا ظهر في تصريح السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة جلعاد أردان، الذي عدَّ تصريحه "إنذارًا وهميًّا". فالإعلان لا يتوافق مع عقدة الشعور بالضعف التي يعيشها أبو مازن ويسوّق لها موسميًا، متجاهلًا رصيد العزّة الذي حققه شعبنا في معركة "سيف القدس"، ودون الإشارة لها أو مجرّد ذكرها في خطابه كاملًا، بشكل يثبت ما قاله الكاتب المصري جلال عامر: "المشكلة أن الموكل إليهم حلّ مشكلة الوطن هم أنفسهم المشكلة".