جعلت السبورة لوحة وطنية للأسرى والشهداء

"المنهج الترابطي" وسيلة المعلمة "إسراء" لكسر جمود الرياضيات

...
المنهج الترابطي
غزة/ يحيى اليعقوبي:

على سبورة صفها جعلت للأرقام الحسابية قيمة ودلالة وطنية، أخرجتها من جمودها، وهي تطلُ على طلابها بالمرحلة الابتدائية كل يوم بدرسٍ وحكايةٍ جديدة، تمرر من خلالها رسائل وتغرس فيهم حب فلسطين. يقرؤون رسالتها التي تقف خلف كل حرف ووراء كل معنى، يؤمنون أن "شمس الحرية ستبزغ" كما رسمتها مُدرِّستهم إسراء أبو لبدة على يمين اللوح متوهجة بالأمل.

"الأسرى".. عنوانُ درس الرياضيات! والمطلوب قراءة الأعداد المنزلية، قد تستغرب من ذلك، لكن عدالة الأسرى دومًا تفرض شروطها على القواعد الرياضية واللغوية، تسمو بعدالة قضية "4850 أسيرًا يقبعون داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي وسط معاناة كبيرة من جراء الانتهاكات التي يتعرضون لها".. بهذا تطلب المعلمة من الطلاب قراءة الرقم السابق لعدد الأسرى بقطار: (آحاد، عشرات، مئات، ألوف) هي في الحقيقة تريد تثبيت الرقم ليبقى راسخًا في ذاكرتهم، وأن هناك قضية عادلة وأسرى حرموا الحرية سنوات طويلة، فتبقى شعلة الثورة متقدة بداخلهم.

في جزئية "القيمة المنزلية" تجذبك هذه العبارة: "ستتساقط الهموم من أسرانا كتساقط أوراق الأشجار"، يعرف الطلاب أن القيمة المنزلية بأنه قيمة الرقم حسب موقعه في العدد، لكن المدرسة أضافت قيمة جديدة لموقع الأسرى في قلوب طلابها. وفي الترتيب التصاعدي فلم يكن الأمر بعيدًا عن محور الحكاية لهذا الدرس: "افتتح سجن مجدو عام 1988.. عدد الأسرى الإداريين 380 أسيرًا".

أما في التقريب؛ فهي تقربهم إلى حكاية بدأت من داخل سجن محكم الإغلاق انتزع فيها ستة أسرى حريتهم، بعدما حفروا نفقًا بدايته في السجن ونهايته ضوء الشمس وعين النفق التي خرجوا منها إلى الحياة، وشاهدوا سهول فلسطين وصعدوا قممها، تنفسوا هواءً غير ملوث بأنفاس السجانين، أكلوا الصبر لأول مرة منذ 22 عامًا.

في تكليف منزلي تطلب المدرسة من الطلاب تقريب أرقام الجملة التالية: "انتزع ستة أسرى حريتهم صباح 6 أيلول لعام 2021م، اندحر الاحتلال من قطاع غزة عام 2005".

المنهج الترابطي

إسراء أبو لبدة 26 عاما، مُدرِّسة مرحلة ابتدائية بمدرسة شهداء "بني سهيلا" المشتركة الأساسية بمديرية شرق خان يونس، تستخدم ما يطلق عليه "المنهج الترابطي"، فتربط بين العلوم الحسابية والقضايا الوطنية التي تتصدر قائمة الأحداث الفلسطينية.

وتقول "إسراء": إنها تعمل التحضير جيدًا للدرس باستحضار المعلومات الكافية عن الحدث، مُركِّزة على المعلومات الرقمية وتدمجها في الدرس وتصنع منها أسئلة حسابية بقيم وطنية، وعليه يُجيب الطالب عن الأسئلة بـ "نكهة وطنية".

"أحاول بث الوعي الوطني الذي لطالما حاول الاحتلال تضليله وإخفاء معالمه، وأحاول بث روح التشجيع للأطفال ليتخذوا هؤلاء الأسرى قدوة لهم، وليتعرف هؤلاء الأطفال الذين قد تغيب عنهم هذه المعلومات في زحمة الدراسة واللهو وانشغال الأهل (...) وكما قيل العلم في الصغر كالنقش على الحجر"، رسائل تدرك المعلمة إسراء أنها "إذا تجذرت بداخل الأطفال فلن ينسوها".

وتحرص "إسراء" على توزيع تلك المعلومات على اللوح برسومات وألوان زاهية، مدركة حب الأطفال للألوان والتغيير وأجواء المرح خلال الدرس، "يعد ذلك بالنسبة للأطفال تغييرًا وأسلوبًا جديدًا محببًا، وعليه تترسخ المعلومات في عقولهم إلى الأبد، لأنهم سيذهبون ويتحدثون ويقولون اليوم تعرفنا إلى الأسرى وعددهم".

لوحات وطنية

ولدى المعلمة إسراء العديد من اللوحات عن الوطن والشهداء، لكنها تتوقف عند لوحة الأسرى التي لاقت تفاعلاً عليها من رواد مواقع التواصل الاجتماعي: "بعدما جمعت المعلومات، استفدت من عدد الأسرى في قراءة الأعداد، ورسمت شجرة وكتبت عبارة: ستتساقط الهموم عن الأسرى كتساقط أوراق الشجر، والهدف تحديد القيمة المنزلية، وربطت تاريخ إنشاء بعض السجون وترتيبها تصاعديا، وتاريخ انتزاع الحرية التي كان آخرها قصة الأسرى الستة لتقريب 2021 لأقرب ألف".

ولم تكن السبورة الوطنية كل ما في جعبتها للطلاب، فقد أطلقت مبادرة "رياضيات ممتعة" لتسهيل فهم الرياضيات، لكونها مادة مجردة وتحتاج للمزيد من الألعاب والترفيه، فـ"أردت أن أحبب الطفل بالرياضيات، فيتعلمون عن طريق اللعب، وهذه طبيعة المبادرة لإيجاد أفكار ولوحات جديدة للدروس".

وتضيف أنها تحقق ذلك أيضًا من خلال أناشيد ومسرحيات والعديد من الأنشطة اللامنهجية المرتبطة بالدرس، من أجل تمرير المعلومة وتبسيطها في عقل الطالب.

أهمية التنويع في الرياضيات وتحويل الأرقام المجردة لقصة محكية، هو ما تسعى إليه، فتقول: "بطبيعة سن الطفولة لا يستطيع التعامل مع الأرقام الجامدة، فهو يستمتع بالحكايات والقصص والحوارات والألعاب والمسرحيات، فتنغرس المعلومات في وعيه العقلي إن جاءت عن طريقة يحبها الطفل، فيلعب ويتعلم لأن مرحلة الطفولة يميل فيها الطفل للعب".