الانتخابات الجزئية.. ديكتاتورية بنكهة ديمقراطية

من يتابع قرارات محمود عباس وحركة فتح في الضفة المحتلة خلال السنوات الأخيرة يدرك جيدًا رغبة القوم في الاستمرار في التفرد بالقرار الوطني، واحتكار التمثيل الفلسطيني، وإدامة أمد الانقسام الجيوسياسي بين الضفة وغزة، أضف إلى ذلك سياسة التعامل بفوقية واستعلاء مع جميع الشخصيات والأحزاب والقوى الفلسطينية الفاعلة في الشارع الفلسطيني.

القرار المنفرد الذي اتخذه محمود عباس بالذهاب إلى إجراء انتخابات الهيئات المحلية والمجالس القروية المصنفة (ج) في الضفة المحتلة وقطاع غزة، دون تشاور مع أيٍّ من القوى الفلسطينية؛ يشير بوضوح إلى أن الهدف من اتخاذ القرار لا علاقة له بالوحدة الفلسطينية الداخلية، التي ينبغي أن تسبق إجراء أي انتخابات فلسطينية، وإنما جاء بهدف إعادة تسويق السلطة الفلسطينية جهة راعية للديمقراطية، وهي خطوة تكتيكية موجهة لإقناع الاتحاد الأوروبي باستئناف دعمه المالي الذي يُقدَّر بمبلغ مائة وخمسين مليون يورو سنويًّا للسلطة الفلسطينية، بعد أن اتخذ قرارًا بتجميد تمويله للسلطة الفلسطينية، ووجه ممثلوه انتقادات لاذعة للسلطة في إثر تصاعد اعتداءات أجهزتها الأمنية على المدافعين عن حقوق الإنسان، والنشطاء الفلسطينيين المطالبين بمحاسبة قتلة الشهيد نزار بنات.

السلطة الفلسطينية التي أقرت موازنتها للعام الحالي بعجز مالي قدره مليار ومائتا مليون دولار، وتعاني اتهامات بالفساد، وأزمة مالية خانقة دفعتها للاقتراض من البنوك، واللجوء إلى طلب قرض بقيمة ثمانمائة مليون شيكل من كيان الاحتلال؛ لديها قراءة جيدة للواقع الفلسطيني، وهي تدرك حالة الغضب الشعبي المتنامية ضد سياساتها القمعية، وافتقادها أي حاضنة شعبية، مع مطالبات بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني لاختيار قيادة فلسطينية تمثل الشارع الفلسطيني.

حالة الفشل السياسي التي تعيشها السلطة الفلسطينية، وإدراكها مخاطر انهيارها دفعاها لاتخاذ قرار منفرد بإجراء انتخابات مجتزأة في مناطق ذات كثافة سكانية محدودة، بما يضمن لها تحقيق الفوز في تلك الانتخابات، مع خوف المواطنين من منافسة القوائم المدعومة من السلطة في الانتخابات، مع تغول أجهزتها الأمنية، وهيمنتها على المنظومة القضائية، وافتقاد العملية الانتخابية النزاهة والشفافية.

خطوة إجراء الانتخابات القروية تهدف أيضًا إلى الالتفاف على إجراء الانتخابات الشاملة، والقفز عن القضايا الساخنة في الشارع الفلسطيني، لا سيما قضية الأسرى التي برزت إلى واجهة الإعلام مع نجاح أسرى نفق الحرية بتحرير أنفسهم من قيود الاحتلال، وتصاعد عمليات المقاومة ضد الاحتلال في الضفة، خاصة مدينتي جنين ونابلس اللتين أضحتا منارتين للمقاومة، مع تمسك السلطة الفلسطينية وأجهزتها القمعية بالتنسيق الأمني وتبادل المعلومات الأمنية مع جيش الاحتلال.

الرفض الشعبي والفصائلي لقرار إجراء انتخابات مجتزأة دون إطلاق حوار وطني يضمن نزاهة العملية الانتخابية هو أمر متوقع ممن اتخذ قرار إجراء الانتخابات المحلية، فالسلطة الفلسطينية تخشى مواجهة أي قائمة منافِسة في صندوق الاقتراع، وأقدمت سابقًا منفردة على تعطيل الانتخابات المحلية في غزة سنة 2012، وألغت الانتخابات المحلية سنة 2016، واتخذت قرارًا بتأجيل انتخابات النقابات والاتحادات في مارس 2021، وأجلت الانتخابات التشريعية والرئاسية لأجل غير مسمى في ديسمبر 2019، وألغت الانتخابات العامة في مايو 2021، وجميع تلك القرارات اتخذت بشكل منفرد وبذرائع واهية، حينما تيقنت السلطة الفلسطينية وحركة فتح من هزيمتهما المحققة في صندوق الاقتراع.

تسعى السلطة الفلسطينية وحركة فتح من وراء قرار إجراء الانتخابات المجتزأة إلى ضمان استمرار سيطرتها على الضفة المحتلة خلال المدة المقبلة، وتحميل حركة حماس وفصائل المقاومة في غزة مسئولية استمرار الانقسام الفلسطيني، وهي الخطوة التي دأبت على القيام بها عشرات المرات على مدار سنوات الانقسام الفلسطيني منذ عام 2007 حتى اليوم.

ختامًا أتوقع مقاطعة فلسطينية واسعة لهذه الانتخابات المجتزأة، وأن تحاول السلطة الفلسطينية الترويج لنزاهة مخادعة للعملية الانتخابية، فقناعة الكل الفلسطيني أن السلطة الفلسطينية بتمسكها بالتنسيق الأمني مع الاحتلال، وتهربها من مسئوليتها السياسية تجاه طي ملف الانقسام، وانتخاب قيادة حقيقية تمثل الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية؛ باتت أشبه بمشروع روابط القرى التي تستمد أنفاسها من رئة الاحتلال الصهيوني.