عن تلك المسافة بين المأمول والموجود

كان صباح أمس الأحد الذي حمل لنا خبر اعتقال آخر بطلين من متحرري عملية نفق الحرية، كئيبًا وحزينًا، لكنه كان أيضًا برعاية: البحث عن شماعة لتحميلها مسؤولية ما جرى، وغالبًا ما تُلقى المسؤولية على أضعف أطراف المعادلة وأقل الفاعلين فيها.

وقصة البحث عن شماعة لتحميلها وزر التقصير ليست جديدة في واقعنا الفلسطيني، فهي تتكرر مع كل حدث، ودون أن يكلف كثيرون أنفسهم فهم ملابساته، وآخر أمثلة ذلك تلك الاتهامات المتطايرة في فضاءات مواقع التواصل لهذه المنطقة أو تلك منذ عملية نفق الحرية.

لكنّ تمعّنًا جيدًا في المشهد سيقول إن أكثر من ينفثون غضبتهم في وجوه الأطراف الضعيفة أو يكرّسون نزعات المناطقية العنصرية هم أولئك الفارغون من الفعل، والمكتفون بأدوار المشاهدة، والتصفيق أو الهجوم، ومما زاد الطين بلّة إدمان أكثر الجمهور مواقع التواصل الاجتماعي، الكفيلة بإظهار أسوأ ما لدينا في اللحظات الحرجة التي تكتنف واقعنا من حين إلى آخر، لأن هذه المواقع غذّت ظاهرة الثرثرة والكلام لأجل الكلام، دون الاستناد إلى حقائق موضوعية أو إلى فهمٍ لمجريات الواقع من جميع جوانبه، مثلما عززت من جانب آخر التعويل على الأوهام أو انتظار المعجزات.

وعودةً إلى اعتقال البطلين مناضل نفيعات وأيهم كممجي من جنين، تلك كانت نهاية متوقعة بالنظر إلى ظروف الضفة الغربية الأمنية، وخضوعها لسلطتين مناوئتين لمشروع المقاومة، وهما الاحتلال والسلطة، وهذا الحال ليس جديدًا، بل هو حاصل منذ عملية السور الواقي في الضفة قبل عشرين عامًا، لكن رداءته تتعمق مع مرور الوقت، حتى لو طوّر الخيال صورة مغايرة، إما لعدم إدراكه حقيقة الواقع، أو لأنه كان ضحية إعلام يضخّم الصغائر ويوهم الناس عكس ما هو موجود.

ليس هذا الواقع هو المرتجى والمأمول، وكلنا تمنينا نهاية مختلفة عما جرى، ولكن هل تكفي الأمنيات؟! وهل تنتهي مسؤوليتنا جميعًا بمجرد القول إنه كان على المسلحين حماية الشباب؟! لعل الإشكالية الأساسية نبتت حين تصوّر كثير من الناس، بناءً على صورة موهومة، أن بعض المسلحين قادرون على حماية كل جنين من الاقتحام، في حين عناصر الأجهزة الأمنية للسلطة يغطون في النوم داخل مقراتهم، إضافة إلى ذلك تلك المبالغة في رفع سقف التهديدات التي أطلقها المسلحون أمام كاميرات الإعلام، وظنها الناس حقائق، معتقدين أن الضفة الغربية اليوم تشبه نفسها قبل عشرين عامًا، حين كانت كوادرها المقاومة في عافيتها واستعدادها، وكانت أدوات ردع العدو متوافرة، وعلى رأسها سلاح العمليات الاستشهادية، من توقّفت ذاكرته عند تلك الأيام سيصاب بالإحباط دون شك حين يرى اعتقالًا سهلًا لمحرري النفق، ومن تابع كلّ ما جرى على مدار هذه السنوات كان يتوقع هذه النهاية، لأنها نفسها التي واجهت جميع المطاردين في الضفة الغربية منذ السور الواقي.

من جانب آخر، لمّا كان هذا التعاطف مع المقاومين والحرص عليهم حاضرًا في نفوس أكثر الناس؛ فلماذا لم نكن نسمع احتجاجات بالوتيرة نفسها عندما كانت أجهزة السلطة تعتقل المقاومين وتعذبهم في سجونها؟! لماذا لم تمارس الناس إدانتها لمشروع التنسيق الأمني بالدرجة نفسها التي تعبّر بها عن تعاطفها مع أفعال المقاومة؟! أم أن حال غالبية الناس تبني المواقف التي لا تترتب عليها كلفة، حتى لو كانت مطالبة آخرين بكلفة لا يقدرون عليها هم؟!

بقي أن نقول إن المقاوم الحقيقي في الضفة اليوم لا يظهر ضمن مجموعات علنية أمام الناس ووسائل الإعلام، بل يتحرى السرية والصمت والبعد عن الظهور حتى يظفر بهدفه ويؤدي واجبه، وآخر ما تحتاج له ساحة الضفة اليوم هو الاستعراض والتهديد دون رصيد، لأن من يهدد يُفترض أن يكون قد راكم رصيدًا فعليًّا سابقًا لتهديده، ومن يرِد الخير لواقع الضفة اليوم دون أن يكون عاملًا مساعدًا على إحباط روح نهوضها؛ فعليه أن يؤدي واجبه بقليل من الكلام وكثير من الفعل.