مجلس وطني أم محفل وثني؟!

السيد الملك المعظم سليم الزعنون المتربع على عرشه منذ أكثر من نصف قرن، فهو أسد -ما شاء الله- لا يشق له غبار، وسليم الذي لا يكاد يصلب طوله ولا شيء فيه سليم -سلمكم الله وعافاكم- يتنطع بين حين وآخر لجمع بقايا المستحاثات ليعقد دورة عادية أو غير عادية لمجلس ما زالوا يسممونه ويسمونه "الوطني الفلسطيني"، وكنت يومًا عضوًا في هذا المجلس وفي "لجنة اللاجئين" التي نحروها ومعها قضية أكثر من ثلثي شعبنا اللاجئ؛ فإني أعلم أن المتمترسين اليوم نيامًا على مقاعدهم كأهل الكهف في متحف المجلس لا يمثلون فعليًّا أكثر من25 % من الشعب الفلسطيني في أحسن الأحوال، وإذا أجريت الانتخابات اليوم فسيضمحل العدد وتنخفض النسبة.

لا شك، لأن معظمهم -وأعيد معظمهم- (وهم عمومًا أقلية من قدماء ممثلي الشعب) يعترفون بالدولة (الاحتلال) وسيادتها أوليًّا على 78% من الوطن المحتل فلسطين، ويقرون بتقسيم القدس والشطب الكامل لقضية اللاجئين (أعيدوا قراءة الاتفاقات ومنها أوسلو باللغتين العربية والإنجليزية)؛ فإن هذه الجثث المحنطة فعليًّا بعض فسائلها لا تمثل حتى 0.1%، يقول البعض المتذاكي إنه لا يوجد فلسطيني واحد يقبل ضياع شبر من فلسطين، ولكنكم وأنتم تدعون أنكم الأغلبية الوطنية العظمى تردون بصوت صاخب واحد: لا وألف لا.

وهنا ليعُد المشككون إلى أطنان التصريحات من "خيالات المآتا"، وعلى رأسهم السيد "الرئيس"، التي تعلن دون خجل التنازل عن جل الوطن، ويقرون علنًا جهارًا وليل نهار كالصيدليات المناوبة أن الدولة العتيدة القادمة هي ما ينتج عن التفاوض، في الوقت الذي تتسرب فيه الأرض استيطانا وهم صامتون، ولا تنسوا أيضًا إضافة قبول هذا القطيع تبادل أراضي الوطن بأراضٍ أخرى من الوطن نفسه، يقولون -قصت ألسنتهم- إنهم يمثلون المصالح الوطنية، وآخرون محقون يقولون: إذا كان رب البيت بالدف ضاربًا --- فلا تلومن أعضاء المتحف على الرقص، لقد بات واضحًا لكل ذي لب وشرف وضمير أن جلالة الرئيس مقدم على كارثة جديدة تمس بقايا الأمتار التي لم نزل نقف عليها من فلسطين، وغول الاستيطان المتسارع يداهمها، خاصة بعد لقائه الأخير مع الجنرال القاتل وزير حرب العدو بني غانتس، وهو (الإمبراطور الحاكم بأمره) "سي سيد" هذا لا يريد سيدًا غيره، وهو بحاجة فقط لقطيع فقد عذريته قسرًا دون شهود.

لقد جمد عباس المجلس التشريعي صاحب الولاية الممتدة والمؤسسة الشرعية والتشريعية الوحيدة، وشكل "حكومات نفاق" بعيدًا عن القانون الأساسي (دستور البلاد المؤقت) وضرورة أن يمنحها الثقة، يتخابر مع الاحتلال ويفاوضه متحديًا بدعمه الكل الوطني بكل مكوناته الفصائلية والفسائلية، لا يرعوي وهو سادر في غيه يستدعي حطام المجلس الوطني ليصدر تصاريح ومواقف لا تخطر على بال ناسفة الثوابت الوطنية في كل الأحوال، وهو اليوم يريد "لجنة تنفيذية" لإقطاعيته منظمة التشطير الفلسطينية تبصم له دون مناكفة وعلى هواه.

والحقيقة أن الذين يخالفونه اليوم من أعضاء هذه اللجنة الهرمة لا يقدمون أفكارًا وطنية أو أنهم يتصدون لخروجه عن كل الإجماع الوطني، وإنما –ويا للمصيبة- هم (أي المعادون له) يتسابقون كي يكونوا هم مفتاح تنازلات أفدح لمصلحة الاحتلال، وخدمة للـ"يانكي" (راعي البقر الأمريكي).

إن الأولوية التي لا يتعداها أمر آخر هي إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس تمثيلية ديمقراطية، كي تكون المعبر الحقيقي عن مصالح شعبنا الحيوية داخل وخارج الوطن.

هنا ينتصب سؤال بحجم وحرارة ولون الشمس: لمَ لا يدعو "فخامته" الإطار القيادي المؤقت للمنظمة، التي أقر هو أولًا ثم كل قيادات الطيف السياسي الفلسطيني بضرورات إعادة تشكيلها، لأنها تفتقد قوى كبرى، وأن تبدأ فورًا عملها وبدورها تبني المنظمة بحلتها التمثيلية الجديدة كل هيئات العمل الوطني، وصوغ برنامجها الكفاحي لمواجهة التحديات التي تنوء بوطأتها الجبال؟!

عباس يهرب إلى الأمام ويشل الساحة ويجمد الهيئات ويتفرد بكل شيء، وكأن الشعب قطيع وفلسطين الوطن والقضية إقطاعية ورثها عن والده السيد رضا عباس !

لقد بات من الضرورة بمكان أن يلتئم المجلس التشريعي ليقرر محاسبة كل الخارجين عن الصف الوطني في إطار السلطة داخل الوطن، وأن تلتقي الفصائل الحية الوطنية وكل ممثلي القوى والنقابات كي تقرر أيضًا مستقبل الشعب في الداخل والخارج، واتخاذ الإجراءات الحاسمة بشأن بناء منظمة التحرير، لقد بات حاسمًا البدء في كل ما تقدم بالأمس وليس اليوم أو غدًا.