"ظريف الطول" و"جفرا" يسرد قصة التراث على مدخل نابلس

...
غزة/ هدى الدلو:

عندما أقدمت الدول المانحة على ترميم البلدة القديمة في مدينة نابلس، اقترح الفنان التشكيلي موسى أبو عصبة على صديقه الذي كان يجاوره في الجلسة، عمل مجسم حديدي يعطي رمزية تراثية وفلسطينية للمكان، متسائلًا الآخر: "ومين بده يطلع بإيده يعمله؟"، فدق موسى على صدره مستعدًّا لإنجازه.

على مدخل البلدة القديمة في مدينة نابلس، يستقبل "ظريف الطول" (مجسم حديدي) الوافدين، ليسرد قصة تراث الشعب الفلسطيني، الذي لا يزال يحتفظ بمكانته في ذاكرة الشعب الفلسطيني.

أبو عصبة (٥٤ عامًا) من قرية برقة الواقعة قضاء مدينة نابلس، ترجم أغنية الفلكلور الفلسطيني إلى مجسم مصنوع من الحديد الثقيل، لتحكي تفاصيله الدقيقة حكاية شعب متعلق بأرضه ويدافع عنها بدمه، فقد جسد الشخصية الشهيرة في مجسم من الصلب يرتدي الثياب التقليدية، ويحمل "شاغوبًا" بيده للدلالة على التجذر بالأرض.

يقول لصحيفة "فلسطين": "الأمر ليس سهلًا خاصة أني استخدم مادة عنيدة تحتاج إلى صبر ونفس طويل لأجل تطويعها، فمجسم ظريف الطول احتاج مني إلى ما يقارب شهرين ونصفًا من العمل المتواصل، ويزن نحو ١٦٠ كيلوجرامًا، واستخدمت فيه حديدًا سميكًا ومن أجود أنواعه ليتحمل عوامل الطقس".

وعن سبب عمله على فكرة تمثال "ظريف الطول"، يوضح أبو عصبة أنه أراد التعريف بقريته بأسلوب مختلف، ولإضفاء لمسة جمالية على المدينة، فظريف الطول يرمز إلى القوة، والأداة التي يحملها تدل على المهنة التي يعمل بها أغلب رجال القرية وهي الزراعة.

و"ظريف الطول" شخصية جدلية يتردد صداها في ذاكرة الفلسطينيين منذ عقود على شكل أغنية، وخصوصًا في القرى، غير أن معظم من يتناقل هذه الأغنية لا يعرف من هو، مكتفين بتلك الملامح التي ترسمها كلمات الأغنية لشاب وسيم ومزارع محب لأرضه يستميت في الدفاع عنها.

ويشير أبو عصبة إلى أن بداياته مع الفن بدأت بخربشات شجعه أهله على المواصلة فيها، ودعموه للنبش في موهبته التي عكف على تطويرها ذاتيًّا، حتى شب عليها، وتوجه نحو التخطيط وكتابة الخط العربي.

ويضيف: "مهدت لي موهبة الرسم لمواهب وإبداعات أخرى ككتابة الخط العربي، ومن ثم انتقلت إلى عالم النحت على الحجارة، ثم انتقل إلى رسم الكاريكاتير، ولكني لم أجد مكانًا لنشرها لكونها تحمل نقدًا سياسيًّا وتعبر عن الواقع، واضطررت للعزوف عن ممارستها، حتى وصلت إلى صناعة المجسمات الحديدية".

ويشير أبو عصبة إلى أن تطويع الحديد إلى مجسمات فنية يحتاج إلى وقت طويل وهمة عالية، وأدوات تعين على تشكيله بعد تسخينه على درجات حرارة عالية، "فالأمر ليس سهلًا، ويحتاج إلى صبر وقوة وعمل متواصل، إلى جانب السرعة".

وعلى وقع نغمة "جفرا يا هالربع بين البساتين ** مجروح جرح الهوى يا مين يداويني، هي يا حاملة الجرة ميلي واسقيني ** بلكن يطيب الجرح ع يد البنية"، يعكف أبو عصب على تصميم مجسم "جفرا الذي يجسد الفتاة الفلسطينية المناضلة بثيابها التراثية، وبضفيرتيها المنسدلتين على كتفيها، وتحمل مصباحًا لتنير طريق المستقبل لغيرها، واستغرق صناعة ما يقارب أربعة أشهر، ويزن نحو 200 كيلوجرام.

وباتت ورشة أبو عصبة الفنية أشبه بروشة حدادة، إذ يأتي سكان نابلس إليه يطلبون منه إعداد مجسمات لتزيين منازلهم وآخرون يطلبون شبابيك وأبوابًا حديدية.

ويتابع: "أحب عملي وأعشقه، أستمر في العمل وطرق الحديد وبردخته حتى منتصف الليل، أنتظر شروق الشمس لأفتتح ورشتي وأعود لعملي، فلا أهتم بالتعب، وتفرحني النهايات".

وواجه أبو عصبة انتقادات من البعض بسبب عمله للمجسمات، ليرد عليهم: "ما أصنعه يعبر عن التراث الفلسطيني ولا علاقة له بالأصنام، فالهوية الفلسطينية موثقة، ولكن من أجل الأجيال القادمة يجب نقل هذه الهوية وتأكيدها بكل الطرق".

ويطمح الفنان أبو عصب لتوسيع دائرة إبداعه أكثر، وأن يتمكن من وضع مجسمات معبرة على مداخل المدن الفلسطينية كافة.