لماذا لم نفلح في كسر الحصار؟

ثمة "تحديات حقيقية" تواجه حركة حماس وبقية فصائل المقاومة في مساعيها الرامية لكسر الحصار الإسرائيلي على الرغم من كل الجهود التي بذلت سياسيا وعسكريا ووطنيا على مدار سنوات، وقد تمثلت هذه التحديات في: 1- الموقف الدولي المتشدد تجاه حركة حماس وفصائل المقاومة، وإبقائهم على قوائم الإرهاب، 2- الرغبة العربية في محاصرة الحركة والتضييق عليها خصوصا من بعض الأنظمة التي تنظر إلى حماس أنها خطر في المنطقة، 3- تورط السلطة الفلسطينية في هذه المؤامرة، 4- خشية الاحتلال من أن يؤدي كسر الحصار إلى تعاظم قوة وقدرة الحركة، الأمر الذي يبقي الحصار فاعلا حتى الآن.

لذلك فإن عددًا من الحروب والمعارك والجولات القتالية القاسية التي اندلعت بين المقاومة والاحتلال لم تفضِ إلى نتائج غير مسبوقة تؤدي إلى انهيار الحصار كليا، وإنما الحصول على بعض المزايا والإجراءات التخفيفية في الجوانب الإنسانية دون الوصول لخطوات سياسية نوعية تؤدي لإحداث اختراق حقيقي، وفي كل مرة سرعان ما تخضع هذه الإجراءات أو الخطوات (للابتزاز والمساومة) وربما للمزاجية الإسرائيلية التي يمكن أن تعلقها أو توقفها دون سابق إنذار لدواعٍ أمنية أو سياسية وعليه؛ بقاءها غير مستقرة كأنما تطفو فوق الماء دون أرضية ثابتة.

وهذا ما يجعل إمكانية البناء عليها وتطويرها صعب، لأنه وفي لحظة معينة يمكن للاحتلال أن يعيدنا للوراء لسنوات أو إن صح التعبير العودة للمرحلة الصفرية، الأمر الذي ينسف جهودا مضنية وتضحيات عظيمة قدمت وتقدم، ويدفعنا مجددا للعودة لاستخدام خياراتنا التي تركزت في ثلاث: السعي السياسي عبر التواصل مع عدد من الدول في الإقليم لا سيما الوسطاء، وتفعيل المقاومة الشعبية بأشكالها المختلفة، أو الذهاب لجولة من القتال تفرضها تطورات الميدان والمشهد السياسي.

ففي الأشهر الأخيرة وقعت معركة (سيف القدس) بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، كانت هذه المعركة منقطعة النظير في حجم القصف الصاروخي "كمًّا ونوعًا" سواء من قبل المقاومة أو الاحتلال الإسرائيلي، فقد استطاعت المقاومة تغطية كامل الجغرافيا الفلسطينية المحتلة بالصواريخ التي أصابت بعضها أهدافا بالغة الحساسية بالنسبة للكيان، في حين ظهرت الوحشية الإسرائيلية في استخدام أعتى الآلات والمعدات والأسلحة الحربية المميتة والتدميرية تجاه القطاع، الأمر الذي دفع أطرافا: إقليميين ودوليين للتدخل بذريعة إنقاذ قطاع غزة، في حين أن الحقيقة عكس ذلك تماما؛ فقد جاء الجهد السياسي والدبلوماسي إنقاذا للموقف الإسرائيلي بعد أن عجز عن حسم المعركة.

الأمر الذي "أعاد الأمل" مجددا للفلسطينيين في إمكانية تحقيق مكاسب سياسية كبيرة من وراء هذه المعركة لا سيما سكان القطاع الذين يعانون الفقر والمرض ويرزحون تحت الحصار ويكتوون بنيران العدوان، ليس الفلسطينيون وحدهم فحسب؛ فالخبراء والباحثون والمحللون وغيرهم تولدت لديهم قناعات بأن المعركة أحدثت تحولا غير مسبوق سيفرض استحقاقات سياسية غير مألوفة ربما تنعكس على الظروف السياسية والإنسانية في قطاع غزة، خصوصا بعد أن حظيت هذه المعركة بتأييد فلسطيني في غزة والضفة والـ48، وحصلت على مساندة عربية في المستوى الشعبي الذي دفع بعض الجماهير إلى اختراق الحدود، وأبعد من ذلك في تهديد سفارات الكيان.

الأمر الذي دفع دولًا عربية، وأطرافًا دولية، إضافة إلى السلطة الفلسطينية إلى التحرك الفوري لتطويق أي إمكانية لتحقيق أهداف سياسية من وراء هذه المعركة، والالتفاف على نتائجها وتبهيت أي قيمة تم تحقيقها، وعليه "عدنا للمربع الأول" في حديثنا حول التحديات الرئيسة التي تحول دون كسر الحصار، لأن الواقع السياسي لم يتغير بعد، وفي مجمله لا يصب في مصلحة المقاومة، ولو كان عكس ذلك لحققت المقاومة نصرا سياسيا يوازي على الأقل الجهد العسكري، ولا ينظر للاتصالات أو الرسائل أو حتى الزيارات على أنها تحول استراتيجي ما دامت لم تثمر عن نتائج تؤدي فعلا إلى كسر الحصار البري والبحري والجوي عن القطاع.

وهذا ما يبرر العودة مرة أخرى إلى تفعيل المقاومة الشعبية بأشكالها المختلفة: (الإرباك، والمسيرات، والبالونات) لأن الفصائل تريد العودة مجددا لاستنزاف العدو والضغط عليه لأنه لم يحقق أي مطالب استراتيجية للمقاومة، إنما التف عليها بما اصطلح عليه (التسهيلات) أو (التحسينات) التي رهنها باستمرار الهدوء على الرغم من أنها لا تحمل أي قيمة حقيقية ولا تلبي الحد الأدنى من المتطلبات والحاجات الأساسية لشعبنا، إنما مجرد "فقاعات فوق الماء" أو إضافة بعض "المكياج لجثة محنطة" فلا هي أعادتها للحياة أو غيرت صورتها وحالتها المفزعة.

وتبقى هذه (المعضلات الأربع) أبرز التحديات التي يجب العمل على تخطيها أو تجاوز بعضها وفق مسار عمل مختلف بعد تقييم كل المسار والأدوات التي استخدمت في السابق لأنها لم تعد مجدية، وحتى يكون الحديث موضوعيًّا فإنه يجب تحجيم أي دور وتأثير للسلطة بعد الآن، لأنه لا أمل في تحقيق شراكة في الوقت الراهن في ظل وجود فريق يحظى بدعم إسرائيلي: أمني وسياسي، ولا مبرر لبقاء الوساطة حكرا على دولة دون غيرها، إنما يجب أن تضاف لجهود الوساطة روسيا والصين ودول أخرى، ومن الضروري تغيير المواقف والمفاهيم فورًا، فنحن لسنا ملزمين باتفاق يضمن الهدوء للاحتلال ما دام الحصار قائمًا والعدوان يجتاح بقية الأراضي الفلسطينية، وإلا فإننا ذاهبون لسنوات أخرى من الحصار.