ناجي العلي.. قاتل بريشته لأجل فلسطين وواجه الاستبداد ورموزه

...
ناجي العلي (أرشيف)
غزة/ يحيى اليعقوبي:

"اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين؛ بدو يعرف حاله ميت" كانت تلك أبرز مقولات رسام الكاريكاتير الشهير ناجي العل الذي جسد الفلسطيني بـ"حنظلة"، ذلك الطفل البائس بقدمين حافيتين وثياب بالية، يواجه القارئ بذراعين معقودتين خلف ظهره.

كانت بداية العلي في قرية الشجرة، الواقعة بين مدينتي طبريا والناصرة الفلسطينيتين في عام 1937، التي عاش فيها 11 عامًا فقط، إذ هجر مع عائلته إبان النكبة إلى مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان، حيث برزت موهبته الفنية على جدران المخيم معبرًا عن اللجوء وقضايا اللاجئين.

وخلال إحدى زياراته إلى المخيم أعجب غسان كنفاني برسومات العلي، وقرر أن يستقدمه إلى الكويت للعمل معه في مجلة "الحرية"، ومنذ ذلك التاريخ حتى اغتياله تُستحضر رسوماته شاهدًا على تاريخ سياسي واجتماعي لم يتبدل.

تقول أريج الرمحي -وهي مغتربة فلسطينية تعيش في دولة الإمارات-: "إن ناجي العلي جزء من شغف طفولتي، وثمة شيء كان يربطني به دائمًا، كنت لا أتجاوز الثامنة حين أطالع جريدة الخليج يوميًّا لأرى ماذا رسم ناجي".

كان الكاريكاتير عند السيدة الرمحي "أحلى من أي رسوم متحركة رأتها في حياتها"، أما من حولها من الكبار فكانوا يستغربون هذا الاهتمام، ويسألون دومًا عن قدرتها على فهم رسومات العلي، لتجيب: "آه، وِلَّا، كيف ما بفهمها؟!".

وتشير إلى أن كاريكاتير العلي لم يكن بحاجة لشرح، "كنت شغوفة بالصورة التي يرسمها، والحوار الذي يدور بين حنظلة وأمه وأبيه" تضيف لـ"فلسطين".

وتكمل: "كنت أشعر أنه يتحدث عن كل ما لا أستطيع التعبير عنه، لأني طفلة ولم تتكون الكلمات في عقلي، أو لأنه يرسم بلدي فلسطين وكأنه يقول: هاي بلدك اللي لسه ما شفتيها، كنت أشعر بالقوة حينما أرى رسوماته، وأقهر من حنظلة الذين يدير ظهره لي وكنت أغار منه (...) في رسوماته كنت أشتم رائحة الشهداء، وأتوجع مع أمهاتهم".

لا تزال أريج التي تجاوزت اليوم الأربعين من عمرها تذكر يوم استشهاده: "بكيت؛ لعلي أخطئ الاسم وكأنه لم يمت، وهو فعلًا لم يمت بداخلنا، وقلمه لم يجف، إذ عملت على رسوماته في دفترٍ مدة عامين".

وتلفت الرمحي إلى أن العلي أراد برسوماته أن يغرس في أبناء شعبه رسائل عديدة، قائلة: "أهم هذه الرسائل أن بإمكان جيلنا مواصلة الطريق، حتى إن حاولوا إسكات صوتنا فسنبقى نردد: (فلسطين بلادنا)".

وتعلق على مشهد قتل العلي الذي جسده في إحدى رسوماته قبل اغتياله: "كان يرسم بدافع وطني فقيدوه وفي النهاية قتلوه، لكن المشهد الفلسطيني يؤكد لك أن الأجيال الفلسطينية لا تنسى قضيتها وتكمل الطريق".

في رسوماته جسد "العلي" الفلسطيني المشرد المقهور والمناضل والمكسور أحيانًا، وهو الجريح في عدة لوحات، والمعذب المعتقل في السجون الذي لا يغير مواقفه ويرفض الاعتراف بالحدود المصطنعة، مسطرًا تجربة فريدة في فن الكاريكاتير السياسي، مستمدًّا موضوعاته من معاناة الناس وهمومهم.

كان "حنظلة" الشخصية التي ابتدعها العلي، وهو صبي في العاشرة من عمره، ظهر في رسوماته في الكويت عام 1969 في جريدة السياسة الكويتية، وأصبح فيما بعد بمنزلة توقيع العلي على رسوماته.

وأما عن سبب تكتيف يديه فيقول العلي: "كتفته بعد حرب أكتوبر 1973 لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطبعًا".

وعندما سُئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة أجاب: "عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته".

شخصيات ناجي العلي

كان لدى ناجي شخصيات أخرى رئيسة تتكرر في رسومه، شخصية المرأة الفلسطينية التي أسماها العلي فاطمة، هي شخصية لا تهادن، رؤيتها شديدة الوضوح فيما يتعلق بالقضية وطريقة حلها، بعكس شخصية زوجها الذي ينكسر أحيانًا في العديد من الكاريكاتيرات يكون رد فاطمة قاطعًا وغاضبًا، مثل الكاريكاتير الذي يقول فيه زوجها باكيًا: "سامحني يا رب، بدي أبيع حالي لأي نظام عشان أطعمي ولادي"، فترد فاطمة: "الله لا يسامحك على هالعملة".

أو مثل الكاريكاتير الذي تحمل فيه فاطمة مقصًّا وتخيط ملابس لأولادها، في حين تقول لزوجها: "شفت يافطة مكتوب عليها "عاشت الطبقة العاملة" بأول الشارع، روح جيبها بدي أخيط كلاسين للولاد".

الجندي الإسرائيلي في رسوماته يرتدي دومًا خوذته على رأسه تأكيدًا على جبنه وضعفه، وأنفه طويل، وهو خبيث مرتبك أمام الأطفال الفدائيين، أما أي رئيس نظام عربي فهو صاحب كرش يرمز إلى الحكومات العربية والبرجوازية، وهو يقف بانتظام واحترام أمام القوى الإسرائيلية خانعًا ضعيفًا يعمل على التطبيع مع العدو.

رحل ناجي العلي يوم 29 آب (أغسطس) 1987 في لندن متأثرًا برصاصة أطلقت عليه في 22 تموز (يوليو) من السنة نفسها، في عملية اغتيال لم تحدد قطعًا الجهة التي نفذتها، ودفن في لندن، خلافًا لرغبته بالدفن في مخيم عين الحلوة حيث قبر والده.

انتهت حياة رجلٍ عشق الريشة وسخر موهبته في الدفاع عن فلسطين قضية وشعبًا، وانتقد منظمة التحرير وهاجم الفاسدين.

كان دائمًا يقول: "أنا لست حياديًّا، أنا مع اللي تحت، مع أولئك الفقراء البسطاء الذين يكونون دائمًا عند خط الواجب الأول، أولئك الذين يسكنون تحت سقف الفقر الواطي، ولكنهم يقفون عند خط المعركة العالي".