52 عامًا على جريمة إحراقه

تقرير المسجد الأقصى بين حريقين ومشاهد عالقة في الذاكرة المقدسية

...
صورة أرشيفية
القدس المحتلة-غزة/ نور الدين صالح:

حالة من الذعر والقلق اجتاحت ساحات المسجد الأقصى المبارك آنذاك، ترافقت معها تكبيرات صدحت من حناجر المواطنين المقدسيين، تعبيرًا عن غضبهم حينما اشتعلت النيران بالمسجد القبلي، وأخذت تلتهم محتوياته بما فيه منبر صلاح الدين.

أخذ المقدسيون الذين ذرفت دموعهم حزنًا على الأقصى يتبادلون حاويات المياه والأتربة التي جلبوها من البيوت المجاورة للمسجد، واحدًا تلو الآخر، للوصول إلى منبر "صلاح الدين" الذي شبَّت فيه النيران وأخذت تتسلق على الجدران وتلتهم السجاد والمصاحف هناك.

كان هذا المشهد واحدًا من مشاهد جريمة إحراق المسجد الأقصى التي وافقت 21 أغسطس عام 1969، وظلَّت عالقة في ذهن الشيخ عكرمة صبري وكان في الثلاثين من عمره آنذاك، إذ كان أحد المشاركين في إطفاء الحريق.

هكذا شب الحريق

حريق امتد لنحو 20 ساعة، انهمك فيها خطيب المسجد الأقصى اليوم برفقة العشرات من الرجال والشيوخ والنساء والأطفال، في محاولات إطفاء الحريق، ليجسدوا معاني التكاتف تحت شعار "أرواحنا رخيصة لأجل الأقصى"، كما يحكي صبري.

ويروي صبري لصحيفة "فلسطين"، أنه وفي صباح يوم الخميس آنذاك، "شاهدنا كمية النار الكبيرة المشتعلة من المسجد الأقصى، حيث أسكن في منطقة حي وادي الجوز القريب له".

ويقول: "شاهدنا بعيوننا النيران وهي تلتهم منبر صلاح الدين في المسجد القبلي والجدران الشرقية إضافة للسجاد والمصاحف، دون أن نقوى على إطفائها لشدة لهيبها بعدما أحاط بالمسجد".

وقد حاول المقدسيون إخماد الحريق بطرق ووسائل بدائية بعد أن قطع الاحتلال الماء عن المصلى القبلي ومحيطه، وتباطأ في إرسال سيارات الإطفاء إلى درجة التواطؤ والمشاركة في الجريمة.

وكعادة الاحتلال في التنكر للحقائق ادعت سلطة تل أبيب لأول وهلة أن الأمر ناتج عن تماس كهربائي قبل أن تعترف لاحقًا بعد أن حاصرتها الأدلة الكثيرة بأن الفاعل هو دينس مايكل روهان، وأضافت إلى جريمته وصفه بأنه مصاب بمرض نفسي وانفصام في الشخصية وأنه معتوه وأنها ستخضعه للمحاكمة، ولم يطل الانتظار حتى أفرجت عنه وألبسته ثوب الجنون بعد أن ألبس هو الأقصى حلة من لهب ونيران أتت على ميراث مئات السنين من خدمة المسلمين للأقصى الشريف.

ولم تكن فعلة المجرم روهان -المولود في عام 1947 بأستراليا- هي الأولى، إذ حاول في 11 أغسطس/آب 1969 إحراق المسجد بعد أن تسلق أشجار الأقصى الشاهدة على مئات السنين من الشرف والقداسة، ولم تشتعل النيران بالنحو الذي كان يريد.

وينتمي المجرم روهان إلى إحدى الطوائف المسيحية، ويتبع إحدى الكنائس الإنجيلية المسيحية التي عرفت باسم كنيسة الرب العالمية، ولم تكن له وظيفة غير قص صوف الأغنام في بلاده، وأداء بعض الطقوس المسيحية وقراءة مجلة "الحقيقة الواضحة" الصادرة عن كنيسة الرب العالمية.

ولأن روهان كان من أصحاب النزعات المشيحانية، فقد كان يؤمن بعودة المسيح، وأن شرط ذلك هو عودة بني إسرائيل إلى أرض فلسطين وبناء الهيكل الثالث.

نيران لم تنطفئ

وفي هذا السياق يتابع صبري: "لم يحترق المسجد الأقصى فحسب، بل احترقت معه أفئدة وقلوب ملايين المسلمين في أرجاء الأرض، وكانت الجريمة أكبر من الترميم الذي استغرق نحو عشرين عامًا".

ويضيف أنه ومنذ ذلك الحين لم تنطفئ النيران في المسجد الأقصى حتى يومنا هذا، حيث يتعرض اليوم لأبشع عمليات تهويد إسرائيلية ممنهجة من أجل مسح هويته الإسلامية، بأشكال متعددة مثل الحفريات والتقسيم الزماني والمكاني، والاقتحامات المتكررة من المستوطنين.

ويلفت صبري إلى أن الفارق بين جريمة 1969 وما يحدث للأقصى اليوم، أن فاعل الأمس مستوطن اتخذ من الإنجيلية المسيحية دافعًا لإشعال الأقصى، وفي الوقت الراهن يقود الاقتحامات مسؤولون في حكومة الاحتلال التي توفر في الوقت نفسه غطاء أمنيًّا لاقتحام المسجد والعبث فيه.

أما الشاهد الثاني على الجريمة وكان حاضرًا وقت وقوعها، فهو الخبير في شؤون الأقصى جمال عمرو، إذ يقول: إن المجرم "روهان" استطاع سكب المواد الحارقة داخل وخارج المسجد القبلي، وذلك بمساعدة مجموعة من الصهاينة.

ويضيف عمرو لصحيفة "فلسطين"، أن المسجد الأقصى لم يكن يخضع لحراسة مشددة آنذاك، الأمر الذي أتاح للمجرم الوصول إلى المنبر.

ينتاب عمرو، الحزن والألم وهو يستذكر جمال منبر صلاح الدين المليء بالآيات القرآنية والزخارف النفيسة المرصوصة بالفسيفساء، لينقضَّ الحريق ويمحو معه هذه الرونق الجميل الذي يتمتع به المسجد القبلي والمنبر.

وتقول المصادر التاريخية، إن الملك نور الدين زنكي، هو من أمر ببناء منبر "صلاح الدين" عام 1168 ليتم وضعه في المسجد الأقصى، بعد أن يحرر مدينة القدس من الصليبيين.

وأمر صلاح الدين الأيوبي، بنقل المنبر إلى المسجد الأقصى، بعد أن حرر القدس في عام 1187. ويعد المنبر قطعة أثرية نادرة، صنعها حرفيون مهرة من دمشق وحلب.

"النيران اشتعلت وما زالت حتى الآن"، يقول عمرو، عن الفروقات ما بين حريق الأقصى عام 1969، الذي هو عبارة عن "نار فيزيائية ملموسة أثارت حفيظة النفوس وتعاطف هائل لدى الشعوب العربية دون أن تفعل شيئًا رغم الاحتجاجات التي أعقبت الحدث".

ويستدرك: "لكن الأخطر هو النيران غير المرئية التي تتمثل باستمرار الاستيلاء على العقارات المقدسية، والحفريات الزائدة والاقتحامات المتكررة التي تعادل الحريق مرات مضاعفة، فهي تعادل الحريق عدة أضعاف".

ويوضح عمرو أن الاحتلال يواصل الاستيلاء على كل نقطة في المسجد الأقصى، إذ وصل عدد الحفريات 57 وتم بناء 102 كنيس لم تكن موجودة في وقت اندلاع الحريق.